منتدى ابو حذيفة السلفي البرلس

منتدى ابو حذيفة السلفي البرلس

منتدى ابوحذيفة السلفي* منتدى اسلامي شعاره الكتاب والسنة بفهم سلف الامة *قال شيخ الإسلام ابن تيميه:لاعيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالإتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا


    منهج شيخ الإسلام في الرد على الرافضة في كتابه منهاج السنة النبوية 1/ 3

    شاطر
    avatar
    ابوالبراء0

    عدد المساهمات : 21
    تاريخ التسجيل : 24/10/2010

    منهج شيخ الإسلام في الرد على الرافضة في كتابه منهاج السنة النبوية 1/ 3

    مُساهمة  ابوالبراء0 في الإثنين نوفمبر 01, 2010 7:20 am

    منهج شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني


    في كتابه (منهاج السنة) للرد على الرافضة







    إعداد الدكتور


    أنس سليمان المصري النابلسي





    بسم الله الرحمن الرحيم

    · مقدمة:

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى الصحابة الغر الميامين، ومن واتبعهم بإحسان، واهتدى بهداهم، وعاش على محبتهم، ومات على موالاتهم، وانتسب إلى معسكرهم إلى يوم الدين.
    وبعد: فقد أمر الله تعالى باتباع سبيل المؤمنين، واقتفاء هدي السابقين الأولين، من الأنصار والمهاجرين، وجعل حبهم من عقائد المسلمين، والدفاع عنهم من صفات المؤمنين الموحدين.
    وقد خالف في ذلك جماعات من الضالين المنحرفين، وانقسموا فيهم بين غالين ومجافين، وبين مفرطين ومفرّطين، والحق وسط، لا مع من كفّر خير أمة أخرجت للعالمين، ولا من جفاهم وخرج عليهم وأمر بقتلهم واعتبرهم من الفاجرين.
    فبعد وقوع الفتنة بين المسلمين، وانتهائها إلى الحرب في الجمل وصفين، انقسمت الفئة الضالة إلى فرقة عن الحق خارجين، ولإمام الأمة معاندين، فأحلوا دماء أشراف الصحابة المؤمنين.
    وأخرى وفقت على طرف أحد النقيضين، فغلت في مقام رابع الخلفاء الراشدين، واعتبرته خير مخلوق في العالمين، وراحت تضع العقائد المبتدعة في هذا الدين، حتى غلا بعضهم وادعى له الإلاهية كرب العالمين، فأمر الإمام علي بحرقهم وإضرام النار في أولئك الكافرين، بعد أن استتابهم ثلاثة أيام أمام جمهور الشاهدين، ثم قال:


    لما رأيت الأمر أمراً منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا

    واختلطت معتقدات القوم بخرافات المجوسيين، ونشأة عقيدة منكرة عن الشرع والدين، قامت على رفض الصحابة وإمامة الشيخين، وتكفير جمهور الأمة إلا من وافقهم على هذا الضلال المبين، حتى أتى على دولتهم زمان أوتوا فيها الرفعة والتمكين، ونشروا ضلالاتهم وبدعهم المخالفة للعقل والدين، وأبرزوا خرافاتهم وأكاذيبهم ونفاقهم بعد أن تزلفوا للسلاطين.
    فقام لأمثال هؤلاء المعتدين، ثلة من العلماء العاملين، فأسقطوا في أيديهم التحريف والتبديل، والتشكيك والتضليل، وبينوا ما هم عليه من الزيغ والانحراف، وردوا قولهم عند أهل العلم والإنصاف.
    ومن خير من رد على ضلالاتهم، وتتبع انحرافاتهم، شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، في كتابه منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية، رد فيه على شيخ ضلالتهم ابن المطهر الحلي في كتابه منهاج الكرامة.
    وفي هذا البحث إن شاء الله نبرز أهم الأمور الظاهرة في منهجه المتبع في الرد على شيوخ الرافضة وغيرهم من أهل البدع وأصحاب الكلام والفلاسفة الأقدمين.
    ومعلوم أن مثل هذا الموضوع لا يقوم قوامه في بحث كهذا بل يلزمه دراسة متأنية متعللة، يسعها أضعاف هذا البحث، ولكن كما قيل: ما لا يدرك جله، لا يترك قلّه.
    فنسأل الله العلي العظيم أن يعيننا على الحق والخير، أن يجزي شيخ الإسلام عن الإسلام كل خير، وأن يحفظه في الآخرة كما حفظ دينه في الدنيا، إنه سميع قريب.


    · تمهيد: في سبب تأليف الكتاب:

    ذكر شيخ الإسلام سبب تأليفه للكتاب بداية، وهو أنه أتي بكتاب صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصره، منفقاً لهذه البضاعة، يدعو به إلى مذهب الرافضة الإمامية، من أمكنه دعوته من ولاة الأمور وغيرهم من أهل الجاهلية ممن قلّت معرفتهم بالعلم والدين ولم يعرفوا أصل دين المسلمين.([1])
    وهذا الكتاب هو كتاب منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، وقد ألفه ابن مطهر الحلي، وهو الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي (648هـ-726هـ) عاش في عصر شيخ الإسلام وتوفي قبله بعامين، أحد صناديد التشيع، تتلمذ لأمثال نصير الكفر ووزير الملاحدة النصير الطوسي.
    وكتابه هذا ألفه للملك المعروف الذي سماه فيه وهو خدا بندة.
    وخدا: كلمة فارسية تعني: الله، وبندة تعني: عبد. أي عبد الله وخدا بندة هو الثامن من ملوك الأيلخانية، والسادس من ذرية جنكيز خان واسمه الجايتو (680هـ-716هـ) وهو ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن السفاح جنكيز خان الملقب إيلخان وإليه تنسب دولتهم.
    مات أبوه مقتولاًَ مقهوراًَ، وكان ولداه الجايتو هذا، وغازان أخوه فرأيا أن من مصلحتهما السياسية الدخول في الإسلام ومحاسنة الشعوب التي يتوليان الحكم في أوطانها، أما غازان فاختار مذهب أهل السنة، فلما خلفه في الحكم أخوه خدابندة سنة 703هـ تسلطت عليه حاشية من دعاة التشيع.
    يقال: إن الجايتو غضب يوماً من زوجته فطلقها ثلاثاً، ثم أراد أن يردها إلى عصمته فقال له فقهاء أهل السنة إنه لا سبيل إلى ذلك حتى تنكح زوجاً غيره، وصعب عليه ذلك فأشار عليه رجال حاشيته من الشيعة بأن يدعو فقيهاً من علماء الحلة وهو ابن المطهر هذا، وأكدوا للسلطان أن بأن المطهر هو الذي يخرجه من هذه الورطة، فلما حضر ابن المطهر واستفتاه السلطان فيما وقع منه من الطلاق ثلاثاً سأله: هل طلقت بمحضر شاهدين عدلين؟ قال السلطان: لا، فأفتى له ابن المطهر بأن الطلاق لم تتحقق شروطه، ولذلك لم يقع، وله أن يعاشر زوجته كما كان يعاشرها قبل الطلاق. فسر خدا بندة بهذه الفتوى، واستخلص ابن المطهر لنفسه وجعله من بطانته، وبتسويل ابن المطهر كتب خدا بندة إلى عماله في الإمصار بأن يخطب باسم الأئمة الاثني عشر على المنابر، ونقش أسماءهم على نقوده، وأمر بأن تنقش على جدران المساجد، وهكذا تشيعت الدولة في مملكته بفتوى ابن المطهر التي أعفت السلطان من أن تعود إليه زوجته بعد أن تنكح زوجاً غيره.
    هذه الخطوة الأولى في التشيع الرسمي للدولة في خراسان وإيران، ويقال كان ذلك سنة 707هـ، وكانت هذه تمهيداً لقيام الدولة الصفوية بعد ذلك، والتي قامت على أفكار وعقائد كان يعتبرها الشيعة أنفسهم قبل ذلك غلواً، وينكرون على كل شيعي يعتقد هذه الاعتقادات، ولما استقرت الدولة الصفوية صار كل ما يسمونه غلواً عندهم من ضروريات الاعتقاد كما اعترف علامتهم المامقاني في مواضع كثيرة من كتابه تنقيح المقال.([2])
    ويؤيد هذا ما ذكره شيخ الإسلام حيث قال: ([3]) كانت الشيعة المتقدمون الذين صحبوا علياً أو كانوا في ذلك الزمان لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر حتى ذكر مثل ذلك أبو القاسم البلخي قال: سأل سائل شريك بن عبد الله ابن أبي نمر فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وأنت من الشيعة؟! فقال: نعم إنما الشيعي من قال مثل هذا.


    · منهج شيخ الإسلام في كتابه منهاج السنة:

    اعتمد شيخ الإسلام في كتابه منهاج السنة في الرد على الشيعة وأمثالهم من المبتدعة على أسلوبه الذي يتبعه في كل كتبه، ولم يكن له أسلوب تميز في كتابه هذا دون سائر كتبه، ولكن طابع هذا الكتاب كان لا شك له طبيعة خاصة؛ لأنه رد على فئة محدودة معينة من الطوائف الضالة، وهو الرافضة، ومن تبعوهم في معتقداتهم المنحرفة كالمعتزلة، والجهمية وأمثالهم.
    فبعض تلك المحاور المنهجية التي كان يتبعها شيخ الإسلام كانت محاور عامة يتبعها في كل كتبه التي ألفها، وبعضها كانت خاصة بخصوص موضوع الكتاب.
    ومن أهم تلك المحاور المنهجية ما يلي:
    · المطلب الأول: معرفة منشأ البدعة وكيفية تطورها والمراحل التي مرت فيها:

    وهذا أمر أساس في نقد البدع ومناقشتها، سواء كانت تلك البدعة عقلية فلسفية، أو شرعية؛ فمعرفة بدايات تلك البدعة ومن صاحب ذلك القول، يؤثر على منهجية البحث؛ إن كان من الفلاسفة القدماء ثم قال بها الرافضة، أو هي من أصول المعتزلة، أو الجهمية، أو غيرهم.
    ولما تكلم شيخ الإسلام في البدع ورد عليها، عمل عرضاً تاريخياً لنشأتها ونشأة المذاهب الكلامية، وكيف تطورت في الإسلام.
    فبدأ من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ما حصل زمن عثمان من الفتنة، وما حدث في صفين والجمل ومروق فرقة من الطائفتين، ثم ادعائهم الإلاهية لعلي رضي الله عنه، وما فعله بهم من تحريق وتقتيل، ثم ظهور السابين على أبي بكر وعمر كيف ظهروا وتطوروا.
    وذكر أصحاب تلك البدع والمؤججين لها كعبد الله بن سبأ، وغيره.
    ثم تطور هذه الفرق زمن التابعين، وانتشارها، وانقسام فرقها وتعدد أفكارهم، والمعتقدات التي اتفقوا عليها واختلفوا فيها، ثم ظهور الجهمية والمعتزلة، وما آلت إليه أفكارهم ومعتقداتهم، وأصول مناهجهم.
    ثم ظهور الملاحدة من المتفلسفة وغيرهم، وأنهم ظهروا بعد انقراض العصور المفضلة، والظروف التي ظهروا بها من ضعف لنور الإسلام، وما فعلوه من طعن في دين الإسلام كالخرمية والقرامطة.
    وأن عقلاء الفلاسفة والمتكلمين عرفوا ما في الإسلام من خير وصلاح.
    ثم تكلم شيخ الإسلام عن أرسطو وزمان ظهوره وظروفه المحيطة، وأفكاره التي قام عليها.
    ثم تكلم عن ظهور الباطنية والملحدين وما أرادوا من هدم الدين.
    وبعد أن قدّم شيخ الإسلام بكل هذا وفصله، وبيّن أصول معتقداتهم بدأ بطرح مسألة قدم العالم، وسبب ظهورها وتكونها عند تلك الفرق، وما هي أصول الاعتقاد التي دفعتهم للقول بقدم العالم. فيسّر عليه ذلك معرفة طرق مناظرتهم والرد عليهم، وأمكن للقارئ أن يعرف أصول معتقداتهم.([4])
    ولما تكلم عن مسألة إثبات القدر ذكر أقوال أهل السنة فيها، وقول من خالفهم من المعتزلة والشيعة، ثم ذكر أن الشيعة لم يكونوا على هذا القول ولكنهم تحولوا إليه تأثراً منهم بالمعتزلة فقالSad[5]) ففي الجملة لم تثبت المعتزلة والشيعة نوعاً من الحكمة والرحمة إلا وقد أثبت أئمة أهل السنة ما هو أكمل من ذلك وأجل منه مع إثباتهم قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه العام.
    هؤلاء لا يثبتون هذا ومتكلمو الشيعة المتقدمون كالهشامين وغيرهما كانوا يثبتون القدر كما يثبته غيرهم وكذلك الزيدية منهم من يثبته ومنهم من ينفيه فالشيعة في القدر على قولين كما أن المثبتين لخلافة الخلفاء الثلاثة في القدر على قولين.
    ولما تعرض لبدعة الشيعة في تعظيم القبور والطواف بها والرحلة إليها والتبرك بها، ذكر منشأ ذلك وأنه لم يكن على زمن الرسول والصحابة الكرام، ولم يشرعه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته، ولا فعله آل البيت ولا غيرهم، لا على قبر نبي ولا صالح، ولم يفعله الصحابة ولا التابعون، ولم يفعله من بعدهم من بني أمية ولا العباس.
    ولكنهم رأوا النصارى فعلوه على قبورهم وأوثانهم، وهو مخالف لمبدأ التوحيد، وتابعهم عليه الشيعة حتى صاروا إلى ما صاروا عليه اليوم.([6])
    وقال: ([7]) وأول ما ظهر إطلاق لفظ الجسم من متكلمة الشيعة كهشام بن الحكم كذا نقل ابن حزم وغيره.
    فكل هذه الأمور التي كان يصدر بها قبل شروعه في مناقشة أصحابها، دلت على معرفته السابقة بأصول البدعة، وأسباب ظهورها والظروف المحيطة بها، فعلم منشأ البدعة، وتطورها، والحال التي آلت إليها، وكل هذا ضروري عند مناظرة الخصوم في مسائلهم ومعتقداتهم.


    · المطلب الثاني: تقييمه العام للرافضة:

    إن معرفة حقيقة القوم أصل يتفرع عنه الحكم على أقوالهم ومعرفة غاياتهم وأفكارهم، لذلك فإن معرفتهم معرفة تامة ودراسة أفكارهم تعطي القارئ فرصة للحكم عليهم وعدم الاغترار بأقوالهم والانخداع بادعاءاتهم، لذلك فإن شيخ الإسلام ذكر فيهم ما يبعد عن القلب الشك بأنهم قوم سوء وإن كان في بعض ما ظهر من كلامهم ما قد يفتن القارئ بصحة أو صواب فيه.
    قال شيخ الإسلامSad[8]) والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، ولهذا لا تجد أحداًً من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه وعلى أمثاله وتجد من ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس.
    ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم رافضي ولا في أئمة الحديث ولا في أئمة الزهد والعبادة ولا في الجيوش المؤيدة المنصورة جيش رافضي ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوه من هو رافضي ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة من هو رافضي.
    وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين وإما في جهال ليس لهم علم لا بالمنقولات ولا بالمعقولات قد نشأوا بالبوادي والجبال أو تحيزوا عن المسلمين فلم يجالسوا أهل العلم والدين وإما في ذوي الأهواء ممن قد حصل له بذلك رياسة ومال أو له نسب يتعصب له كفعل أهل الجاهلية.
    وقال شيخ الإسلام: ([9]) وأما الرافضة كهذا المصنف وأمثاله من متأخري الإمامية فإنهم جمعوا أخس المذاهب: مذهب الجهمية في الصفات، ومذهب القدرية في أفعال العباد، ومذهب الرافضة في الإمامة والتفضيل.
    هذا ما ذكره شيخ الإسلام عنهم إجمالاً، وقد تكلم عنهم مفصلاً لمعتقداتهم وأصولهم الفكرية والعقدية، وموارد تلك المعتقدات، ومن أي الفرق دخلت عليهم، وانقسم تقييمه لهم إلى عدة محاور:
    - الأول: التقييم العقدي:

    عمد شيخ الإسلام بداية الكتاب وقبل الرد على ابن المطهر إلى بيان وصف الرافضة، والتكلم عن أحوالهم، حتى يتبين للقارئ أؤلئك القوم الذين سيتحدث عنهم، فقال شيخ الإسلام: ([10]) الذين لا يوجبون اتباع دين الإسلام ولا يحرمون اتباع ما سواه من الأديان بل يجعلون الملل بمنزلة المذاهب والسياسات التي يسوغ اتباعها وأن النبوة نوع من السياسة العادلة التي وضعت لمصلحة العامة في الدنيا.
    - والثاني: تقييم أصولهم العلمية والفكرية:

    ثم نقد شيخ الإسلام منهج النقل عندهم، والتعامل مع العقليات، ليُعلم مدى تحريهم للصحيح، وطرق الاستدلال عندهم، ودرجة مصداقية كلامهم، وتقييم شبههم والتعامل معها.
    فقالSad[11]) والقوم من أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل ويكذبون بالمعلوم من الأضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار.
    ثم نقل كلام أهل العلم فيهم من السلف كمالك والشافعي وشريك والأعمش، وأصحاب الحديث ممن يعرفون الأسانيد ويحفظون طرقها.
    ثم قالSad[12]) ومنهم من أدخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا واستولوا بهم على بلاد الإسلام وسبوا الحريم وأخذوا الأموال وسفكوا الدم الحرام وجرى على الأمة بمعاونتهم من فساد الدين والدنيا ما لا يعلمه إلا رب العالمين. انتهى كلامه.
    ويلزم هذا المنهج عند مناقشة الخصم لبيان مستواه الفكري، وطرق تفكيره، لذلك فإن شيخ الإسلام يقوم أحياناً بعرض أفكارهم ومعتقداتهم في المسائل ليعلم القارئ علام تقوم معتقدات القوم، فقد ذكر الشيخ بعض حماقاتهم في ترك بعض المطعومات والملبوسات، وكرههم للتلفظ بلفظ عشرة بسبب بغضهم للعشرة المبشرين بالجنة، فلا يبنون على عشرة أعمدة، ولا فعل شيء يكون عشرة، مع كون أن علياً رضي الله عنه من أولئك العشرة المبشرين بالجنة، وهو أمر في غاية الحماقة كما ترى.([13])
    - الثالث: معرفة مواردهم العلمية والعقدية والفكرية:

    وهذا يفيد في منهج الرد عليهم؛ فإن كانوا أخذوا شبهتهم عن المعتزلة سيكون رده عليهم بنفس أسلوب رده على المعتزلة، وإن أخذوه عن اليهود أو النصارى أو غيرهم تشابهت طريقة الرد عليهم.
    وهذا يساعد أيضاً في تقييم مدى مجانبتهم للصواب، وبعدهم عن معتقدات أهل السنة.
    فعندما عرض شيخ الإسلام نظرتهم للمهدي، وأن الله إنما بعثه لطفاً منه بالعباد، ومن أراد أن يفعل في شخص خيراً يسر له ما يعينه على فعل ذلك من الأسباب، كمن يزور شخصاً فإن أراد به خيراً تبسم له وأجلسه، وإن لم يرد به خيراً عبس في وجهه وأغلق الباب. قال شيخ الإسلام بعد ذلك: وهذا أخذوه من المعتزلة، ليس هو من أصول شيوخهم القدماء.([14])
    وعندما عرض أدلتهم النقلية التي يعتمدون عليها قال: إنما عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإسناد، وكثيراً منها من وضع المعروفين بالكذب بل وبالإلحاد.([15])
    وقال: ([16]) وعمدتهم في الشرعيات ما نقل لهم عن بعض أهل البيت وذلك النقل منه ما هو صدق ومنه ما هو كذب عمدا أو خطأ وليسوا أهل معرفة بصحيح المنقول وضعيفه كأهل المعرفة بالحديث.
    وقال: ([17]) الشيعة فيهم طوائف تثبت القدر وتنكر مسائل التعديل والتجوير والذين يقرون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان فيهم طوائف تقول بما ذكره من التعديل والتجوير كالمعتزلة وغيرهم ومعلوم أن المعتزلة هم أصل هذا القول وأن شيوخ الرافضة كالمفيد والموسوي والطوسي والكراجكي وغيرهم إنما أخذوا ذلك من المعتزلة وإلا فالشيعة القدماء لا يوجد في كلامهم شيء من هذا.
    وقال: ([18]) وفي الجملة فالقوم لا يثبتون لله مشيئة عامة ولا قدرة تامة ولا خلقاً متناولاً لكل حادث وهذا القول أخذوه عن المعتزلة هم أئمتهم فيه. انتهى كلامه.
    فعلم إذن أن عمدة القوم في العقليات هم أهل الكلام من المعتزلة والجهمية، ومواردهم من النقليات هو ذو أسانيد منقطعة –إن وجدت- وما يدعون أنه منقول عن أئمتهم المعصومين، وأما ما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف سيعتقدون صحته إن كفّر متأخروهم جماهير الصحابة، فما بقي لهم من دينهم؟!.
    - الرابع: المعرفة التامة بأقوال الخصوم وتفصيلات المسائل عند الفرق الأخرى، وأوجه الاتفاق والافتراق بينهم:

    وهذا أمر ملحوظ عند شيخ الإسلام في مناظرته للخصم، فيظهر منه معرفة أقوال الخصم معرفة تامة، حتى إذا حاول التملص أو التهرب رده إلى أصل قوله، وكذلك معرفته بأقوال الفرق الأخرى التي توافق قول الخصم، والفرق التي تخالفهم، فيقارن بينها، وهذا يعينه –كما سيأتي- على مناقشة الأقوال كلها وطرح المسألة بأوسع صورها والإحاطة بها ورد جميع الشبه عنها.
    كما ذكر في جوابه عن تسلسل الحوادث وتجددها عند الشيعة، فذكر الآراء كلها في المسألة مشيراً لصاحب كل قول وناقش تلك الأقوال على التفصيل، وغيرها من المسائل.([19])
    ومثل رده على ابن المطهر لما ذكر قولاً عن الشيعة، قال: ([20]) ما نقله عن الإمامية لم ينقله على وجهه فإنه من تمام قول الإمامية الذي حكاه وهو قول من وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم من متأخري الشيعة أن الله لم يخلق شيئاً من أفعال الحيوان لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم بل هذه الحوادث التي تحدث تحدث بغير قدرته ولا خلقه.
    ولما تكلم على مسألة أن الفعل لا يشترط به تقدم العدم أورد حجج ابن سينا العشرة، وموافقة الرازي له فيها، ثم رد عليهما رداً مطولاً ومفصلاً، ثم أورد كلام أرسطو في المسألة ورد عليه في كل البراهين الخمسة التي أوردها، ثم بين أوجه الصواب في المسائل تلك.([21])
    وكلامه عن اختلافهم على عصمة الأنبياء على قولين ظاهر في معرفة اختلافاتهم وأقوالهم، وعليه فيمكنه محاججتهم بما يعلم عنهم.
    قال شيخ الإسلام: ([22]) وأما قوله: وأن الأنبياء معصومون من الخطأ والسهو والمعصية صغيرها وكبيرها من أول العمر إلى آخره وإلا لم يبق وثوق بما يبلغونه فانتفت فائدة البعثة ولزم التنفير عنهم.
    فيقال أولاً: إن الإمامية متنازعون في عصمة الأنبياء.
    فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الرسول جائز عليه أن يعصى الله وأن النبي قد عصى في أخذ الفداء يوم بدر، فأما الأئمة فلا يجوز ذلك عليهم فإن الرسول إذا عصى فإن الوحي يأتيه من قبل الله والأئمة لا يوحى إليهم ولا تهبط الملائكة عليهم وهم معصومون فلا يجوز عليهم أن يسهوا ولا يغلطوا وإن جاز على الرسول العصيان، والقائل بهذا القول هشام بن الحكم.
    والفرقة الثانية منهم: يزعمون أنه لا يجوز على الرسول أن يعصى الله عز وجل ولا يجوز ذلك على الأئمة لأنهم جميعاً حجج الله وهم معصومون من الزلل ولو جاز عليهم السهو واعتماد المعاصي وركوبها لكانوا قد ساووا المأمومين في جواز ذلك عليهم كما جاز على المأمومين ولم يكن المأمومون أحوج إلى الأئمة من الأئمة لو كان ذلك جائزا عليهم جميعاً.
    وأيضاً فكثير من شيوخ الرافضة من يصف الله تعالى بالنقائص.
    وكما رد على ابن المطهر لما قال ([23]) في إمامة باقي الأئمة الاثنى عشر: لنا في ذلك طرق أحدها النص وقد توارثته الشيعة في البلاد المتباعدة خلفاً عن سلف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسين هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.
    قال شيخ الإسلام: والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال أولاً: هذا كذب على الشيعة فإن هذا لا ينقله إلا طائفة من طوائف الشيعة وسائر طوائف الشيعة تكذب هذا والزيدية بأسرها تكذب هذا وهم أعقل الشيعة وأعلمهم وخيارهم، والإسماعيلية كلهم يكذبون بهذا وسائر فرق الشيعة تكذب بهذا إلا الاثنى عشرية وهم فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة. انتهى كلامه.
    فمعرفته بتفصيلات تلك المسائل وتفريعاتها القائلين بها هي من أصل العلوم عن الأئمة المناظرين لخصوم السنة، وعليه أمكنه التفوق على خصومه؛ لأنه حوى عنهم وعن غيرهم أكثر مما حووا.


    · المطلب الثالث: الشمولية والاستطراد في مناقشة الأقوال بأوسع مما طرحه أصحاب الشبهة:

    من الملاحظ على منهج شيخ الإسلام في ردوده على المبتدعة بشكل عام أنه يناقش الشبه المطروحة بأوسع مما عرضه أصحابها، ولا يقف عند حدود الشبهة التي طرحها الخصم، بل يردها من أصولها، ويتوسع في مناقشة كل ما يتعلق بها من شبه حتى يبعد عن ذهن القارئ صاحب الشبهة المطروحة، ويثبت في ذهنه الرد الوافي لتلك الشبهة، ويعلم أصول المسألة الصحيحة؛ فشيخ الإسلام لا يناقش ابن المطهر في هذا الكتاب وحده، بل يناقش الرافضة بأفكارهم المختلفة وأصولهم العقدية، بل ويتوسع بالرد على كل ما شابه قوله قولهم، ويبين خطأه، ويناقش كل ما كان على شاكلته من الفرق الأخرى والديانات الباطلة كاليهود والنصارى والزنادقة والملحدين، ويكون الرد على شبهة ذلك المبتدع مضمناً في ذلك، وهذا له عدة فوائد كما هو معلوم:
    - أولها: أن القارئ لهذا الرد يدرك أصول المسألة وجوانبها ويعرف صحيحها.
    - ثانيها: أنه يعلّم منهجية رصينة للرد على أصحاب البدع، وهو الرد على الشبه المطروحة من كل جوانبها العقلية والمنطقية الممكنة.
    - ثالثها: أنه يكون رداً على كل أصحاب هذه الشبهة، وإن اختلفت آراؤهم فيها، ولكنهم جميعاً خالفوا منهج الصواب فيها.
    وغير ذلك من عدم تكرار الرد والمقارنة بينهم وبيان أسوء أقوالهم، وأبعدها عن الصواب.
    ومثالها: أنه لما تحدث عن تسلسل الحوادث وبين سبب إنكار الشيعة له، توسع في موضوعه حتى ناقش مسألة قدم العالم نقاشاً تفصيلياً مطولاً لكونها أصل في مسألة التسلسل، ولم يقتصر على مناقشة تسلسل العالم فقط، فرد بذلك على المعتزلة والجهمية والمتكلمين، ولم يتوقف على مناقشة الرافضة فحسب.([24])
    ومثل رده على الشهرستاني وابن سينا في قولهما في أفعال الله بعدما أجمل الرد على الرافضة ومن قال بقولهم.([25])
    ومثل إجماله في الرد على الجهم بن صفوان وأبي هذيل العلاف في قولهما في أنواع الحوادث بعدما رد على المتكلمين ومن وافقهم من الرافضة وغيرهم، ثم رد على ابن ملكا والكلابية، والكرامية وابن سينا.([26])
    ولما ناقش ديموقراطيس والرازي ودحض قولهما بحدوث العالم، وحدوث ما فيه بلا سبب، ذكر قول الآخرين فيه، وقال: وكلا القولين في غاية الفساد.
    وبعد رده على هؤلاء كلهم، قال: ([27]) وأما الآخرون فإنهم أثبتوا حدوث العالم فإن كانوا ينفون الصانع بالكلية فقد قالوا بحدوث الحوادث بلا محدث وإن كانوا يقولون بالصانع فقد أثبتوا إحداثه لهذا النظام بلا سبب حادث إن قالوا: إن الرب لم يكن يحركها قبل انتظامها وإن قالوا: إنه كان يحركها قبل انتظامها ثم إنه ألفها؛ فهؤلاء قائلون بإثبات الصانع وحدوث هذا العالم وقولهم خير من قول القائلين بقدم هذا العالم.
    ولما رد الشيخ مسألة قدم العالم لم يلتفت إلى ابن المطهر في المسألة لأن أصل المسألة من المعتزلة، وتكلم فيها ابن سينا وأرسطو والرازي، فرد الشيخ على هؤلاء، وأتى بالبراهين التي اعتمدوا عليها، ورد كل برهان من عدة وجوه، وهذا جعل الشيخ يناقش المسألة عند كل فرق الفلاسفة والمتكلمين ويرد عليهم، ولم يقتصر رده على الرافضة، ثم أثبت الرأي الصواب في المسألة.([28])
    فتبين مدى قزم الرافضة أمام رده الوافي على أولئك المتكلمين الفلاسفة.
    ولما طرح مسألة وجود الإرادة التامة عند حدوث الفعل ذكر آراء جميع الفرق القائلة بهذا فبيّن مذهب الجمهور، والقدرية والجهمية، والجبرية والأشعري، والرازي، ثم ناقشها، وبيّن وجه الصواب فيها، ونقض أقوال الفلاسفة وبيّن غلطهم.([29])
    وهذا منهج واضح عنده يكاد –من تتبعه- يعلم أنه أضفاه على معظم كتابه.


    · المطلب الرابع: طرق طرح مسائل النقاش عنده:

    - أولها: يبدأ بعرض الأمور المتفق عليها قبل مناقشة الأمور المختلف فيها:

    قبل أن يبدأ شيخ الإسلام في نقاش مسائلهم المخالفين فيها، فإنه يستعرض أوليات العلم في هذه المسألة، وأسسها المتفق عليها بين علماء الدين، إن كانت من الأمور الشرعية، أو الأسس العقلية التي يعلمها أهل المنطق بالضرورة، ثم يبسط القول في المسألة فيما يعرفه العقل الصحيح، وبعد ذلك يقوم بعرض رأي الشيعة في ذلك، ويبدأ بدحض أفكارهم.
    - ثانيها: الاستدلال بكلام علماء السلف ممن خبروهم وعرفوهم:

    كقوله عن الشعبي: ([30]) ومن أخبر الناس بهم الشعبي وأمثاله من علماء الكوفة وقد ثبت عن الشعبي أنه قال: ما رأيت أحمق من الخشبية لو كانوا من الطير لكانوا رخماً ولو كانوا من البهائم لكانوا حمراً والله لو طلبت منهم أن يملئوا لي هذا البيت ذهباً على أن أكذب على علي لأعطوني ووالله ما أكذب عليه أبداً.
    - ثالثها: مقارنة أقوالهم بالفرق الأخرى والمفاضلة بينهم:

    كما يقارن شيخ الإسلام بين أقوال الرافضة ومعتقداتهم مع الفرق الأخرى كالخوارج والمعتزلة والمتصوفة ويذكر أصول بدعتهم ويفاضل بين تلك الأصول ويبين أوجه القبول الرد بين تلك الأقوال والمعتقدات، وعليه فإنه يمكن أن يقبل شيئاًَ من أقوال الخوارج بناءً على معرفته لمعتقداتهم من بعدهم عن الكذب وغير ذلك من الأمور.
    ومن أوجه تلك المفاضلة:
    أولاً: مقارنة معتقداتهم بمعتقدات الخوارج وتفضيل الخوارج عليهم:

    كقوله في الخوارج: ([31]) والبدع متنوعة فالخوارج مع أنهم مارقون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم واتفق الصحابة وعلماء المسلمين على قتالهم وصح فيهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه رواها مسلم في صحيحه روى البخاري ثلاثة منها وهم ليسوا ممن يتعمد الكذب بل هم معروفون بالصدق حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث لكنهم جهلوا وضلوا في بدعتهم ولم تكن بدعتهم عن زندقة وإلحاد بل عن جهل وضلال في معرفة معاني الكتاب. وأما الرافضة فأصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد وتعمد الكذب كثير فيهم وهم يقرون بذلك حيث يقولون ديننا التقية وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه وهذا هو الكذب والنفاق.
    وقال: ([32]) شُبه الرافضة أظهر فساداً من شبه الخوارج والنواصب، والخوارج أصح منهم عقلاً وقصداً والرافضة أكذب وأفسد ديناً.
    وقال عنهم: ([33]) وهم لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه بل يفضلون محمداً ويعظمونه ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه ويسبون أباه أبا بكر ويلعنونه.
    فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه على قتل الحسين لكونه كان من شيعة عثمان ومن المنتصرين له وسبوا أباه سعداً لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان هل كانت النواصب لو فعلت ذلك إلا من جنس الرافضة؟ بل الرافضة شر منهم فإن أبا بكر أفضل من سعد وعثمان كان أبعد عن استحقاق القتل من الحسين وكلاهما مظلوم شهيد رضي الله عنهما.
    ولهذا كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة بقتل الحسين.
    فنرى أنه فضّل الخوارج رغم سوئهم على الرافضة، وهو أمر مهم عند معرفة خير الخيرين وشر الضررين.
    ثانياً: مقارنته إياهم بالمعتزلة وإبراز مدى التشابه بينهم:

    وقال: ([34]) وأما عمدتهم في النظر والعقليات فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر، والمعتزلة في الجملة أعقل وأصدق وليس في المعتزلة من يطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بل هم متفقون على تثبيت خلافة الثلاثة.
    ثالثاً: مقارنة معتقداتهم بالصوفية وتفضيل الصوفية عليهم:

    كقوله فيهم: إن إيمان شيوخ الزهد والدين بإلياس والخضر والغوث والقطب ورجال الغيب ليس بواجب عند تلك الطوائف كإيمان أولئك بوجوب الإيمان بالمهدي المنتظر، وإن كان بعض غلاة الطوائف يوجبون ذلك في بعض الأزمان فإن قولهم مردود كقول الرافضة.
    وهذا القول ليس مثل قول الرافضة من كل وجه، بل هو مشابه له من بعض الوجوه؛ لكونهم جعلوا كمال الدين موقوفاً على ذلك.([35])
    رابعاً: مقارنة معتقداتهم بمعتقدات أهل السنة وتفضيل أهل السنة عليهم من كل وجه:

    قال شيخ الإسلام: فلا يوجد لأهل السنة قول ضعيف إلا وفي الشيعة من يقوله ويقول ما هو أضعف منه ولا يوجد للشيعة قول قوي إلا وفي أهل السنة من يقوله ويقول ما هو أقوى منه ولا يتصور أن يوجد للشيعة قول قوي لم يقله أحد من أهل السنة فثبت أن أهل السنة أولى بكل خير منهم كما أن المسلمين أولى بكل خير من اليهود والنصارى.([36])
    - رابعها: الاستدلال بكلام أهل الفرق على بعضها البعض:

    فعندما طرح مسألة حدوث العالم وقدمه ناقش المتكلمين على قولهم بقدم الحوادث، أورد في ردوده كلام أئمة الفلاسفة وأهل الملل الأخرى على المتكلمين.
    قال شيخ الإسلام: ... فقال لهؤلاء –يعني القائلين بحدوث العالم- أئمة الفلاسفة وأئمة أهل الملل وغيرهم: ([37]) فهذا الدليل الذي أثبتم به حدوث العالم هو يدل على امتناع حدوث العالم وكان ما ذكرتموه إنما يدل على نقيض ما قصدتموه….
    وعند مناقشة أي بدعة أو رد عليهم يذكر وجوه الرد عنده، ثم ينقل ردود الفرق الأخرى على ذلك المبتدع ولو كان صاحب الرد من المبتدعة أيضاً.
    فلما تكلم شيخ الإسلام عن صفات الله وأفعاله ورد كلام الفلاسفة فيه، نقل بعد ذلك كلام ابن ملكا في الرد على الفلاسفة وإبطال كلامهم، مع كون ابن ملكا من أتباعهم، وهم سلفه، لكنه نقض أقوالهم في إبطال صفات الله وأفعاله، فاستشهد به شيخ الإسلام في هذا الموضع.([38])
    ولما ذكر مسألة إثبات صفات الله تعالى، وأنه لم يزل متكلماً كما يشاء، قادراً على الفعل متى شاء، ذكر رأي المعتزلة في نفي تلك الصفات وذكر متابعة الشيعة لهم على هذا القول ثم ذكر رأي الأشاعرة وما ردوه على المعتزلة من قولهم ونقضهم لآرائهم، ونقل ردودهم على المعتزلة والشيعة، فقال: ([39]) قال هؤلاء –يعني الأشاعرة- للمعتزلة والشيعة ولما كان هذا الدليل عمدتكم استطال عليكم الفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثاله وهذا الدليل مناف في الحقيقة لحدوث العالم لا مستلزم له فإنه إذا كان هذا الحادث لا بد له من سبب حادث وكان هذا الدليل مستلزماً لحدوث الحادث بلا سبب لزم أن لا يكون الله أحدث شيئاً فإذا جوزنا ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح أنسد طريق إثبات الصانع الذي سلكتموه.
    وقالوا أيضاً للمعتزلة والشيعة: أنتم مع هذا عللتم أفعال الله تعالى بعلل حادثة فيقال لكم: هل توجبون للحوادث سبباً حادثاً أم لا؟ فإن قلتم: نعم، لزم تسلسل الحوادث وبطل ما ذكرتموه.
    ولما طرح مسألة عصمة علي رضي الله عنه وأنه لا معصوم غيره اتفاقاً، رد عليه شيخ الإسلام بأن كثيراً من العباد والعامة يعتقدون عصمة شيوخهم مثلكم مع اعتقادهم أن الصحابة أفضل منهم فاعتقادهم ذلك في الخلفاء من الصحابة أولى والإسماعيلية يعتقدون عصمة أئمتهم وهم غير الاثني عشر وأتباع بني أمية كانوا يقولون: إن الخليفة لا حساب عليه ولا عذاب.([40])
    وطعن الخوارج في علي وخرجوا عليه، وأراد الشيعة أن يبرؤوه ويردوا عليهم، لكنهم سيعجزون في ردهم على الخوارج وإثبات إيمان علي وعدالته مع كونهم على مذهب الرافضة، ولا يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا إلى مذهب أهل السنة.
    فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن تكفره أو تفسقه لا نسلم أنه كان مؤمناً بل كان كافراً أو ظالماً كما يقولون هم في أبي بكر وعمر لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله إلا وذلك الدليل على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان أدلّ.
    فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم للكفار فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق أمكن الخارجي أن يدعى النفاق وإذا ذكروا شبهة ذكر ما هو أعظم منها.
    وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن عدوين للنبي صلى الله عليه وسلم أفسدا دينه بحسب الإمكان أمكن الخارجي أن يقول ذلك في علي ويوجه ذلك بأن يقول كان يحسد ابن عمه والعداوة في الأهل وأنه كان يريد فساد دينه. ([41])
    - خامسها: مقارنة أقوالهم بأقوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمفاضلة بينهم:

    كثيراً ما يذكر شيخ الإسلام قول الرافضة ثم يعرض بعده أشباه هذا القول عند أهل الكتاب، أو غيرهم من الفرق، ويفاضل بين أقوال القوم، وغالباً ما يظهر فساد قول الرافضة وسوئه أكثر من قول أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
    ومن أعظم ما ظهر في ذلك قول شيخ الإسلام: ([42]) وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين؛ سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم.
    وقد عرض كثيراً من أوجه المشابهة بينهم وبين اليهود من حيث معادتهم لجبريل، واستحلال مال المسلمين، وزواجهم للمتعة، والطلاق، وتحريمهم لبعض المطعومات التي أحلها الله، ودفنهم للموتى، وغير ذلك من أمور شابهت فيها الرافضة إخوانهم من اليهود والنصارى.
    ومنها قول شيخ الإسلام: ([43]) وللكفار كاليهود مواضع يقولون إنهم يرون الخضر فيها وقد يرى الخضر على صور مختلفة وعلى صورة هائلة وأمثال ذلك وذلك لأن هذا الذي يقول إنه الخضر هو جني بل هو شيطان يظهر لمن يرى أنه يضله وفي ذلك حكايات كثيرة يضيق هذا الموضع عن ذكرها. وعلى كل تقدير فأصناف الشيعة أكثر ضلالاً من هؤلاء فإن منتظرهم ليس عنده نقل ثابت عنه ولا يعتقدون فيمن يرونه أنه المنتظر ولما دخل السرداب كان عندهم صغيراً لم يبلغ سن التمييز.
    ولما ذكر مسألة الأئمة المعصومون، وأن كلامهم شرع ووحي وأن الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه قال: ([44]) والإسلام مبني على أصلين أن لا تعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع.
    فالنصارى خرجوا عن الأصلين وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم.
    وأيضا فإن النصارى يزعمون أن الحواريين الذين اتبعوا المسيح أفضل من إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء والمرسلين ويزعمون أن الحواريين رسل شافههم الله بالخطاب لأنهم يقولون إن الله هو المسيح ويقولون أيضا إن المسيح ابن الله.
    والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وغاليتهم يقولون: إنهم أفضل من الأنبياء لأنهم يعتقدون فيهم الإلهية كما اعتقدته النصارى في المسيح.
    والنصارى يقولون: إن الدين مسلم للأحبار والرهبان فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه.
    والرافضة تزعم أن الدين مسلم إلى الأئمة فالحلال ما حللوه والحرام ما حرموه والدين ما شرعوه.
    وأما من دخل في غلوة الشيعة كالإسماعيلية الذين يقولون بإلهية الحاكم ونحوه من أئمتهم ويقولون: إن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله وغير ذلك من المقالات التي هي من مقالات الغالية من الرافضة فهؤلاء شر من أكثر الكفار من اليهود والنصارى والمشركين وهم ينتسبون إلى الشيعة يتظاهرون بمذاهبهم.
    وشبّه اعتقادهم بتفضيل علي على الصحابة وغلوهم في قدره بتفضيل النصارى عيسى على باقي الأنبياء وتفضيلهم إياه على إبراهيم وموسى، وطعنهم وتكذيبهم لأبي بكر وعمر والتكلم فيهم هو من جنس كلام اليهود والنصارى في محمد و الطعن فيه واتهامه.([45])
    - سادسها: مقارنة معتقدات الفرق بعضها ببعض والمفاضلة بينها:

    فلما عرض مذهب الفلاسفة المتكلمين في مسألة قدم الأفلاك، وصفات الله تعالى، وذكر جوانب الخطأ والصواب عند الفرق الأخرى، قارن بينها وذكر أيها أقرب للصواب مع أن كلا الفريقين اعتبره ملحداً في مقالته، فأنكر على من نفى الكلام عن الله تعالى مطلقاً وهم الفلاسفة وابن سينا، وخطّأ الرأي الآخر القائل بأن الرسل إنما تكلم بما قاله الله على سبيل التمثيل والتخييل للحاجة كابن رشد.
    ثم قال: ([46]) وابن رشد ونحوه يسلكون هذه الطريقة ولهذا كان هؤلاء أقرب إلى الإسلام من ابن سينا وأمثاله وكانوا في العمليات أكثر محافظة لحدود الشرع من أولئك الذين يتركون واجبات الإسلام ويستحلون محرماته وإن كان في كل من هؤلاء من الإلحاد والتحريف بحسب ما خالف به الكتاب والسنة ولهم من الصواب والحكمة بحسب ما وافقوا فيه ذلك.
    ثم قارن بين كلام ابن رشد وأبي حامد الغزالي، ورجح كلام أبي حامد على ابن رشد، وإن كان في كلام أبي حامد ما هو خطأ، لكنه فضّل كلامه على كلام ابن رشد؛ لكون ابن رشد إنما بنى كلامه على أصول كلامية فاسدة، مثل كون الرب لا يفعل شيئاً بسبب ولا لحكمة.([47])
    ولما ذكر أرسطو وأمثاله من الفلاسفة، ومعتقداتهم، ثم ذكر معتقدات اليهود والنصارى، قال: ([48]) لكن الذي لا ريب فيه أن هؤلاء أصحاب التعاليم كأرسطو وأتباعه كانوا مشركين يعبدون المخلوقات ولا يعرفون النبوات ولا المعاد البدني وأن اليهود والنصارى خير منهم في الإلهيات والنبوات والمعاد.
    ثم ذكر أن هذا ما جعل اليهود والنصارى أن يعتقدوا أن أصل خلق الإنسان من طين وأنه خلق الملائكة، وهذا ما لا يوافقهم عليه الفلاسفة، فاليهود والنصارى في هذا أفضل من أولئك الملحدين.
    ولما تكلم عن مسألة القدر وإثبات بعض الطوائف له ونفي بعضها الآخر، ذكر فيه قول المشركين والمعطلين والمجوس وغيرهم ثم قال: ([49]) وأصل المشركين والمعطلة باطل وكذلك أصل المجوس والقدرية تخرج بعض الحوادث عن خلق الله وقدرته ويجعلون له شريكاً في الملك.
    وهؤلاء الدهرية شر منهم في ذلك فإن قولهم يستلزم إخراج جميع الحوادث عن خلق الله وقدرته وإثبات شركاء كثيرين له في الملك بل يستلزم تعطيل الصانع بالكلية.
    - سابعها: العدل مع الخصوم واتباع الحق في طرحه للمسائل:

    امتثالاً لقوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا"، فقد نقل عن أبي القاسم الطبري في كتابه شرح أصول السنة كلاماً في ذم الرافضة من طرق متعددة عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، ثم قال: لكن عبد الرحمن بن مالك بن مغول ضعيف. ثم قال: وقد صح ذلك عن غيره كالشعبي وغيره من طرق أخرى ثابتة.([50])
    وذكر أن مصطلح الرافضة إنما ظهر بعد زمان زيد وهو سنة خمس ومئة أو قريباً من ذلك، ثم قال: ولفظ الرافضة لم يكن معروفاً قبل ذلك، وبهذا وغيره يُعرف كذب لفظ الأحاديث المرفوعة التي فيها لفظ الرافضة.([51])
    ومعلوم أن للتاريخ دور كبير في نقد الحديث وبيان علله.
    ولما ذكر قولهم في أن المطيع لا يستحق ثواباً، لم يرد عليهم القول بالكلية بل جعل له معنيين فإن أرادوا المعنى الصواب كان كلامهم صواباً، وإن أرادوا المعنى الخطأ رد عليهم بما يدحض رأيهم، مع كون أن أصولهم توافق المعنى الخطأ، ولكن من باب العدل أن تُطرح كل الاحتمالات الممكنة لقولهم بهذا الرأي.
    قال شيخ الإسلام: ([52]) فقول القائل إنهم يقولون إن المطيع لا يستحق ثواباً إن أراد أنه هو لا يوجب بنفسه على ربه ثواباً ولا أوجبه غيره من المخلوقين فهكذا تقول أهل السنة وإن أراد أن هذا الثواب ليس أمراً ثابتاً معلوماً وحقاً واقعاً فقد أخطأ وإن أراد أنه هو سبحانه وتعالى لا يحقه بخبره، فقد أخطأ على أهل السنة، وإن أراد أنه لم يحقه بمعنى أنه لم يوجبه على نفسه ويجعله حقاً على نفسه كتبه على نفسه فهذا فيه نزاع قد تقدم
    وهو بعد أن وعد بالثواب أو أوجب مع ذلك على نفسه الثواب يمتنع منه خلاف خبره وخلاف حكمه الذي كتبه على نفسه وخلاف موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى. انتهى كلامه.
    ولما ادعى الرافضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الولاية والإمامة لعلي، واستدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنت مني وأنا منك".
    قال شيخ الإسلام: ([53]) و أما قوله: لعلي أنت مني و أنا منك فصحيح.
    فأقر شيخ الإسلام قول الرافضي لصحته، ثم ناقشه في طريقة فهمه للحديث فقال: وقال لجعفر: أشبهت خلقي و خلقي، وقال لزيد: أنت أخونا و مولانا، وقال للاشعريين: هم مني و أنا منهم، كما قال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجليبيب: هذا مني وأنا منه، فعلم إن هذه اللفظة لا تدل على الإمامة ولا على أن من قيلت له كان هو أفضل الصحابة.
    - ثامنها: طرح جميع الاحتمالات العقلية ومناقشتها:

    وهذا يكون في المسائل العقلية المحضة، فإن الشيخ يقوم بوضع جميع الفرضيات واحتمالات النقد ثم مناقشتها من الوجوه المختلفة، فيقول: فإن قيل:...، قيل:...، وهكذا حتى يأتي على جميع الاحتمالات العقلية المقبولة.
    أو يتبع إسلوب: فإن قلتم كذا، كان عليكم كذا وكذا، وإن قلتم كذا، فقد وقعتم في كذا وكذا، وإن قلتم بكذا، لزمكم قول كذا وكذا.([54])
    وأمثلة ذلك كثيرة عنده يصعب حصرها؛ ذلك أنه أسلوب عام عنده.
    وعند مناقشته لمسألة عصمة علي عند الرافضة قال: إما أن يجب وجود المعصوم أو لا، فإن قلتم: لا سقط ما تدعون، وإن قلتم: نعم، لم نسلم أنه علي دون الثلاثة قبله.([55])
    - تاسعها: الاستدلال بالآيات والأحاديث:

    معلوم أن الشيعة الروافض لا يقرون أهل السنة على الأحاديث التي يحتجون بها، ولا يعتمدون عليها، كما لا يقرون بكثير من تأويل الآيات القرآنية التي يؤولها أهل السنة، ونرى شيخ الإسلام كثيراً ما يحتج بالآيات القرآنية والأحاديث في النقاش العقلي المحض، ويستدل بها على الشيعة، وهذا له وجوه مختلفة:
    أولها: أنه يطرحها لإقناع أهل السنة أن هؤلاء مجانبون للصواب، بعيدون عنه، مخالفون لصريح القرآن الكريم والسنة النبوية.
    والثاني: أن تلك الآيات والأحاديث بحد ذاتها لها الطابع العقلي الذي يناقشه شيخ الإسلام، كما ناقش الله تعالى الكفار بأدلة عقلية مماثلة في كتابه الكريم.
    الثالث: أو لأن الرافضة أنفسهم يقرون بتلك الآيات والأحاديث التي يحتج بها شيخ الإسلام في عصره على الأقل وإن كانوا بعد ذلك زادوا غلواً فتركوها وكذبوها لما علموا أن فيها عليهم من الحجة والبرهان في إبطال معتقداتهم.
    ثم بين شيخ الإسلام الحجة في ذلك؛ فبعد ذكره للأدلة التي يستدل بها أهل السنة على الرافضة قالSad[56]) وهؤلاء وإن كانوا لا يقرون بصحة هذه الأحاديث فالمصنف قد احتج بأحاديث موضوعة كذب باتفاق أهل المعرفة فإما أن نحتج بما يقوم الدليل على صحته ونحن وهم أو لا نحتج بشيء من ذلك لا نحن ولا هم فإن تركوا الرواية رأساً أمكن أن نترك الرواية، وأما إذا رووا هم فلا بد من معارضة الرواية بالرواية والاعتماد على ما تقوم به الحجة ونحن نبين الدلائل الدالة على كذب ما يعارضون به أهل السنة من الروايات الباطلة والدلائل الدالة على صحة ما نقله أهل العلم بالحديث وصححوه. انتهى كلامه.
    وبعد رده على شبههم في الطعن في أبي بكر، وإيراد الأحاديث الدالة على فضله قال: ([57]) و لكن تلك الطريق هي طريقة أهل العلم بالحديث العالمين بما بعث الله به رسوله ولكن نحن نذكر طريقا آخر فنقول: نقدر أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد أو لم يعلم أيها الصحيح ونترك الاستدلال بها في الطرفين ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر و ما يعلم من العقول والعادات وما دلت عليه النصوص المتفق عليها.
    وقد استطرد في مسألة إثبات الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق كثيراً من الأدلة النقلية الدالة على صحة هذا القول، ثم جاء بأدلة العلماء كابن حزم وأورد ما يوافق من الأدلة العقلية على ذلك، ثم سرد الأدلة التاريخية والأحداث التي دارت حول المسألة وأطال في تفصيلاتها، ورد كلام ابن المطهر وأمثاله في خطئهم على أبي بكر في هذا.([58])
    - عاشرها: الاستدلال عليهم من أصل قولهم وبيان تناقضاتهم:

    مثل ما أنكر عليهم في أن أصولهم العقدية أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة؛ فالإمامة آخر مراتب أصول الدين، فكيف يدعي ابن المطهر أن الإمامة أشرف وأهم أصول الدين عندهم؟.([59])
    وقال: ([60]) ولهذا كل من صنف في أصول الدين يذكر مسائل الإمامة في الآخر حتى الإمامية يذكرون مسائل التوحيد والعدل والنبوة قبل مسائل الإمامة وكذلك المعتزلة يذكرون أصولهم الخمس التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وإنفاذ الوعيد والخامس هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبه تتعلق مسائل الإمامة. انتهى كلامه.
    وقولهم: إن الإمامة لطف من الله، ومراعاة لهم بمصالح المسلمين، وأنها من أهم مطالب الدين، قال شيخ الإسلام: فإنهم قالوا

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس مارس 30, 2017 12:39 am