منتدى ابو حذيفة السلفي البرلس

منتدى ابو حذيفة السلفي البرلس

منتدى ابوحذيفة السلفي* منتدى اسلامي شعاره الكتاب والسنة بفهم سلف الامة *قال شيخ الإسلام ابن تيميه:لاعيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالإتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا


    الإيمان والكفر

    شاطر
    avatar
    ابوحذيفه
    Admin

    عدد المساهمات : 206
    تاريخ التسجيل : 10/09/2010

    الإيمان والكفر

    مُساهمة  ابوحذيفه في الإثنين سبتمبر 13, 2010 1:03 am

    حكم إنكار العقيدة
    كل من أنكر العقيدة إنكاراً كلياً كالشيوعيين الذين ينكرون وجود الله ، ويكذبون الرسل ، والكتب ، ولا يؤمنون بالمصير والجزاء ، أو أنكر جزءاً من العقيدة ، فإنّه كافر غير مسلم ، ويجب أن يُعْلم أن العقيدة الإسلامية لا تقبل التجزئة أبداً ، لأنها وحدة مترابطة أشدّ الترابط .
    فالإيمان بالله يقتضي الإيمان بالملائكة ، والكتب والرسل واليوم الآخر ، والإيمان بالكتب يتضمن بقية أصول الإيمان ، والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم يعني تصديقه فيما أخبر ، .... لذا فقد عدّ الله من آمن بأصل وكفر بآخر كافراً حقاً ، قال تعالى : ( إنّ الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً – أولئك هم الكافرون حقاً ) [ النساء : 150-151 ] . والتكذيب بجزئية من جزئيات الأصول الاعتقادية مما ثبت في الكتاب أو السنة ثبوتاً قاطعاً يُعدّ كفراً ، كإنكار رسول من الرسل أو ملك من الملائكة .
    المبحث الثاني
    الأعمال والأقوال التي تعد كفراً
    ليس الكفر هو إنكار الأصول الاعتقادية فحسب ، بل هناك أعمال فِعلها كفر ، ويمكن تحديدها بعبارة واحدة : ( عبادة غير الله ) فالعبادة حقّ الله وحده وصرفها لغير الله شرك ، كالصلاة لغير الله ، والذبح لغير الله ، ودعاء غير الله ...
    وقد يكفر المرء باللفظ كالذي يسب الخالق جلّ وعلا ، أو الإسلام أو الرسول أو يستهزئ بالإسلام ، أو يفضّل على الإسلام المبادئ الضالة كالشيوعية أو البوذية ، أو الأديان المحرّفة كاليهودية والنصرانية ، أو يتهم الإسلام بالنقص والقصور ، والتأخر والرجعية .
    المبحث الثالث
    الموقف من الكفار
    يجب أن يعادي المسلم الكفار ، فيكرههم لما تلبَّسوا به من كفر ، كما يكره كفرهم ، وعليه أن يحارب هذا الباطل وأهله بالقول والبيان ، بأن يدعوهم إلى الحقّ ، ويشرح لهم ما هم فيه من ضلال ، ويعرض لهم الحقّ عرضاً قوياً نقياً ، فنحن وإن كنّا نبغض الكافرين ، إلا أنّنا نحب لهم الهداية ، ونرجوها لهم .
    وللكفار أحكام بينتها كتب الفقه منها : أننا لا نزوجهم المسلمات ، ولا نتزوج من نسائهم إلا الكتابية ، ولا نغسل موتاهم ، ولا نصلي عليهم ...
    المبحث الرابع
    الكافر عند الله
    الذي بلغته الدعوة الإسلامية ورفضها عن علم كافر مخلد في نار جهنم ، لا حجة له يوم القيامة .
    أمّا الذين لم يبلغهم الإسلام لسبب من الأسباب كأن بعدت ديارهم ، أو فقدوا السمع والبصر ، أو بلغهم الإسلام وهم كبار لا يعقلون ، فهؤلاء لا يعذبون في يوم القيامة حتى يختبروا ويمتحنوا ،لأنّ الحجة لم تقم عليهم ، وقد قال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) [ الإسراء : 15 ] .
    والدليل على أنّهم يمتحنون الحديث الذي رواه الأسود بن سريع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أربعة يحتجون يوم القيامة : رجلٌ أصمّ لا يسمع شيئاً ، ورجلٌ أحمق ، ورجلٌ هرمٌ ، ورجلٌ مات في فترة ٍ ( لم تبلغه دعوة رسولٍ ) . فأمّا الأصمّ فيقول : رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً ، وأما الأحمق فيقول : رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : رب لقد جاء الإسلام وما أعقلُ شيئاً ، وأمّا الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني لك رسول . فيأخذ الله مواثيقهم ليطيعنَّه ، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار ، فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها ، لكانت عليهم برداً وسلاماً ) . (1)
    المبحث الخامس
    ترك الواجبات وفعل المحرمات
    المطلب الأول
    موقف السلف من مرتكب الكبيرة
    لا شك أنّ الذي يترك ما ألزمه الله به من الطاعات كالزكاة والصوم والحج وبرّ الوالدين ، أو يفعل المحرمات كالزنا والربا وأكل مال اليتيم ، قد شوّه وجه الإيمان ، وتناقص إيمانه بمقدار الطاعات التي ترك ، وبمقدار الذنوب التي فعل ، ولكنْ هل يكفر بمجرد هذا الترك للواجبات ، والفعل للمحرمات ، إذا لم يكن جاحداً للأول ، ولا مستحلاً للثاني ؟
    إن النصوص التي بين أيدينا تهدينا إلى أنّ المسلم لا يكفر بفعله للذنوب ، ولا بتركه للواجبات ، بل ينقص ذلك من إيمانه ، ويكون أمره إلى الله إن شاء غفر له ، وإن شاء عذّبه . ومن النصوص الصريحة في ذلك قوله تعالى : ( إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ] ، فالذي لا يقبل الغفران : الشرك ، أما ما دون الشرك فهو إلى الله ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه .
    وقد جاءت أحاديث توضح مدلول الآية ففي الحديث القدسي : ( ابن آدم لو أتيتني بقراب (2) الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً ، أتيتك بقرابها مغفرة ) . (3)
    وفي حديث قدسي آخر : ( ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة ، لا يشرك بي شيئاً ، لقيته بمثلها مغفرة ) . (4)
    وعن عتبان بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإن الله حرّم على النار من قال : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) . (5)
    وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ) . (6)
    وفي حديث الشفاعة أن الله يقول : ( وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله ) . (7)
    وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يدخل أهل الجنة الجنّة ، وأهل النار النار ، ثم يقول الله تعالى : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمان ) . (
    وقال أبو سفيان : " جاورت جابر بن عبد الله بمكة ستة أشهر ، فسأله رجل : هل كنتم تسمون أحداً من أهل القبلة كافراً ؟ قال : معاذ الله ! قال : فهل تسمونه مشركاً ؟ قال : لا " . (9)
    هذه النصوص جعلت العلماء الأفذاذ من سلف الأمة يقولون في مرتكب الذنوب وتارك الواجبات : " هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته " . فهم أثبتوا له إيماناً ، ولكنّه ليس الإيمان المطلق الذي يستحقه من فعل الطاعات ، وانتهى عن المعاصي ، بل إيمان مقيد بفسقه بسبب الذنب الكبير الذي ارتكبه .
    المطلب الثاني
    الخوارج الذين يكفرون بالذنوب
    في مقابل هؤلاء اتجهت طائفة ترمي الناس بالكفر إذا قصّروا في واجب ، أو فعلوا محرّماً ، ولا زلنا نرى كثيراً من النّاس يسارعون إلى التكفير بمثل ذلك ، وأول من تبنى هذا القول ( الخوارج ) ، وهم طائفة خرجوا من جيش علي بن أبي طالب بعد أن أخفق المحكمان : أبو موسى الأشعري ، وعمرو بن العاص في حسم الخلاف الناشب بين المسلمين بقيادة علي ومعاوية .
    زعم الخوارج أن تحكيم الرجال خطأ شرعاً ، وعدّوه كفراً ، وكفَّروا جميع المسلمين الذين رضوا عن ذلك ، وشهدوا على أنفسهم بالكفر ، ثم آمنوا من جديد ، وطالبوا عليّاً بالإقرار على نفسه بالكفر كشرط لعودتهم إلى صفوف جيشه ، وناقشهم علي ، وأرسل إليهم حبْر الأمة عبد الله بن عباس ، فأقام عليهم الحجة ، ونقض مذهبهم ، وعاد منهم بضعة ألوف ، وأصرَّ على ذلك القول ألفان حاربهم علي وقضي عليهم ، إلا أن مذهبهم انتشر ، وتبناه من بعدهم أناس كثيرون ، ولا تزال فكرة التكفير تثور بين فترة وأخرى ، وقد ثارت من جديد في أيامنا هذه .
    أدلة الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة :
    والخوارج (10) يزعمون أنّ مرتكب الكبيرة كافر خارج من الإسلام ، حلال دمه وماله ، ويقولون : هو خالد في النار ، وهم يحتجون على ذلك بأدلة ظنوها مثبتة لما ذهبوا إليه ، منها :
    1- قالوا : أنتم توافقوننا على أنّ الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ، لأنّ الإيمان : اعتقاد ، وقول ، وعمل ، وإذا زال جزء من الإيمان كالعمل زال الإيمان كله .
    2- واحتجوا بأنّ الله سمّى بعض الذنوب فسقاً كقوله : ( إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا ) [ الحجرات : 6 ] ، فأطلق لفظ الفاسق هنا على الكاذب ، وهذا ظاهر من التأمل في سياق الآيات .
    وقال صلى الله عليه وسلم : ( سِبابُ المؤمن فسوق ) . (11)
    وقالوا : سمى الله بعض الذنوب ظلماً كأكل مال اليتيم ( إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنَّما يأكلون في بطونهم ناراً ) [ النساء : 10 ] وسمى من يُخرج المرأة المتوفى عنها من بيت الزوجية في مدة محددة ظالماً ، لأنّه متعدّ لحدود الله ، ( واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) [ الطلاق : 1 ] .
    وقالوا : هذه الذنوب فسق وظلم ، والفاسقون والظالمون كافرون بنصّ القرآن : (والكافرون هم الظالمون ) [ البقرة : 254 ] ، ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) [ النور : 55 ] .
    وقالوا : وردت النصوص بنفي الإيمان عن الذي ارتكب ذنباً ، فمن ذلك ما رواه مسلم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) (12) ، وقوله : ( لا يبغض الأنصار أحدٌ يؤمن الله ورسوله ) (13) ، وقوله : ( والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ) . (14)
    3- وقالوا : تبرّأ الرسول صلى الله عليه وسلم ممن فعل بعض الذنوب ، كقوله صلى الله عليه وسلم : ( من حمل علينا السلاح فليس منا ، ومن غشنا فليس منا ) (15) ، وفي الحديث الآخر ( من غشّ فليس مني ) (16) ، وفي الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ) قيل : ومَنْ يا رسول الله ؟ قال : ( الذي لا يأمن جاره بوائقه ) . (17)
    4- وقالوا : جاء تسمية بعض الذنوب كفراً كقوله : ( وللهِ على النَّاس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإنَّ الله غني عن العالمين ) [ آل عمران : 97 ] .
    وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) . (18)
    وقال : ( إذا كفّر الرجل أخاه فَقدْ باء بها أحَدُهُما ) . (19)
    الرد على ما استدل الخوارج به :
    هذه هي الحجج التي احتجوا بها على تكفير مرتكب الذنوب والمعاصي ، وسنحاول أن نبين موطن الخطأ في هذه الحجج :
    1- أما استدلالهم بأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فلا ننكر عليهم ذلك ، ولكنّ خطأهم أنّهم عدّوها شرطاً في الإيمان ، والصحيح أنّها ليست كذلك ، فزوالها ينافي كمال الإيمان الواجب ، أي إذا زالت زال من الإيمان جزء ، وبقي ناقصاً ، ومثل ذلك مثل الإنسان تُقطع يده أو رجله أو تُقلع عينه ، أو أذنه ، ويبقى مـع ذلك إنساناً تتردد فيه الحياة ، فإذا قُطع وسطه أو رأسه أو قلع قلبه كان كمن زال الإيمان منه ، فزوال اليد أو الرجل أو العين تشبه زوال بعض الأعمال الواجبة أو فعل الأمور المحرمة ، وزوال الرأس أو القلب يشبه زوال العقيدة .
    2- أمّا ما احتجوا به من أنّ الفسق كفر فهذا فهم خاطئ ، إذ معنى الفسق الخروج عن طاعة الله ، والخروج عن طاعة الله ليس على حد سواء ، فقد يكون خروج كفر ، وقد يكون خروجاً ليس بكفر ، فمنكر الملائكة خارج عن طاعة الله خروج كفر ، وشارب الخمر خارج عن طاعة الله خروج معصية لا كفر .
    وكذلك الظلم يتفاوت في نفسه ، فقد يكون الظلم شديداً بالغاً درجة الكفر ، وقد يكون أدنى من ذلك .
    ويمكن أن نتصور ذلك إذا رسمنا دائرة كبيرة في وسطها دويرة صغيرة ، الدائرة الكبرى تمثل الظلم والفسق ، والصغرى تمثل الكفر ، فيكون الكفر داخلاً في الظلم والفسق ، لأنهما أعمّ من الكفر ، بينما بعض الظلم والفسق ليس بكفر .

    ومما يدل على أن الفسق قد لا يكون كفراً قوله صلى الله عليه وسلم : ( سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر ) (20) ، فقد فرق الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما ، وإن كان المراد بالكفر في الحديث الكفر الذي لا يخرج من الملة .
    أما النصوص التي احتجوا بها وقالوا : إنها تنفي الإيمان بالذنوب ، أو فيها براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من فعل ذنباً أو نصّت على كفر من فعل ذنباً ، فليس المراد منها أنّ الإيمان يزول بالذنوب والمعاصي ، وأنّ الذنوب والمعاصي توجب الكفر ، ولكنّها تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه ، الذي نعت الله به أهله ، واشترطه عليهم في مواضع من كتابه ، فقال : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم – التائبون العابدون الحامدون السائِحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ) [ التوبة : 111-112 ] ، وقال : ( قد أفلح المؤمنون – الذين هم في صلاتهم خاشعون – والذين هم عن اللغو معرضون – والذين هم للزكاة فاعلون – والذين هم لفروجهم حافظون ) [ المؤمنون : 1-5 ] .
    وقال : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آيَاتُهُ زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون – الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) [ الأنفال : 2-3 ] .
    وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم (21) ، بعد أن ساق هذه الآيات : " فهذه الآيات التي شرحت وأبانت شرائع الإسلام المفروضة على أهله ، ونفت عنه المعاصي كلها ، ثم فسَّرته ألسنة بالأحاديث التي فيها خلال الإيمان ، فلما خالطت هذه المعاصي هذا الإيمان المنعوت بغيرها ، قيل ليس هذا من الشرائط التي أخذها الله على المؤمنين ولا الأمارات التي يعـرف بها أنه الإيمان فنفت عنهم حينئذٍ حقيقته ، ولم يزل عنهم اسمه " .
    ثم ناقش شبهة من يقول : كيف يجوز أن يقال ليس بمؤمن ، واسم الإيمان غير زائل عنه ؟ مبيّناً أنّ هذا جرى على طريقة العرب في نفي العمل الذي لم يأب به صاحبه على وجهه ، والقرآن نزل بكلام العرب وأساليبها (( وكلام العرب المستفيض عندنا ، غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا كان عمله على غير حقيقته ، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس محكماً لعمله : ما صنعت شيئاً ، ولا عملت شيئاً ، إنما وقع معناها هنا على نفي التجويد ، لا على الصنعة في نفسها ، فهو عندهم عامل بالاسم ، وغير عامل في الإتقان )) .
    وبيّن أنّ العرب تتكلم بأشدّ من هذا (( وذلك كرجل يَعُقُ أباه ويبلغ منه الأذى ، فيقال : ما هو بولد ، وهم يعلمـون أنّه ابن صلبه . ثم يقال مثله في الأخ والزوجة والمملوك ، وإنّما مذهبهم في هذا المزايلة من الأعمال الواجبة عليهم من الطاعة والبر ، وأما النكاح والرقّ والأنساب ، فعلى ما كانت عليه إمكانها وأسماؤها )) .
    ثم بين أن هذه النصوص التي تنفي الإيمان وردت على النسق نفسه ، فقال : " فكذلك هذه الذنوب التي ينفى بها الإيمان ، إنما أحبطت الحقائق منه الشرائع التي هي من صفاته ، فأمّا الأسماء فعلى ما كانت قبل ذلك ، ولا يقال لهم إلا المؤمنون ، وبه الحكم عليهم " .
    واستشهد بآية آل عمران التي تُخبر أنّ الله أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبينه للناس ولا يكتمونه ، فنبذوه وراء ظهورهم ، ومع ذلك فإنّه حكم لهم بحكم أهل الكتاب في آيات أخرى ، وأباح لنا أكل ذبائحهم ، ونكاح نسائهم ، ثم قال : " فهم بالأحكام والأسماء في الكتاب داخلون ، وهم لها بالحقائق مفارقون " .
    وأورد حديث المسيء صلاته الذي أخرجه الشيخان ، وفيه يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ارْجع فصلّ فإنك لم تصل ) (22) أكثر مـن مرة ، مع أنّه كان في كل مرة يصلي ، فإنه مُصلّ بالاسم ، وغير مصلّ بالحقيقة .
    المراد من النصوص التي تبرأ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من مقترفي الذنوب :
    قرر أبو عبيد : (( أنّ البراءة هنا ليس معناها التبرؤ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من ملته ، إنما مذهبه عندنا أنّه ليس من المطيعين لنا ، ولا من المقتدين بنا ، ولا من المحافظين على شرائعنا )) .
    المراد بالنصوص التي تكِّفر بالذنوب :
    قال أبو عبيد : " وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبها بالمعاصي ، فإنّ معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفراً ولا شركاً يزيلان الإيمان عن صاحبه ، إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون ، وقد وجد لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحو ما وجدنا في النوعين الأولين " .
    وبين أنّ المراد بالذنوب التي سميت كفراً وشركاً (( أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسنتهم وألفاظهم وأحكامهم ، ونحو ذلك من أمورهم )) .
    واستشهد على ذلك بقول ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) [ المائدة : 44 ] ، وقال ابن عباس : " ليس بكفر ينقل عن الملة " ، وقال عطاء : " كفر دون كفر " . وأثر ابن عباس قال فيه محقق الكتاب : " أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق طاووس عن ابن عباس ، وصححه هو والذهبي " . (23)
    فالحكم بغير ما أنزل الله وإن سُمي كفراً إلا أنه غير ناقل عن ملة الإسلام ، والدّين باق على حاله ، وإن خالطه هذا الذنب ، فالمعنى أنّ الحكم بغير ما أنزل الله من سنن الكفار ، ألا تسمع قوله تعالى : ( أفحكم الجاهلية يبغون ) [ المائدة : 50 ] .
    ثم قال : تأويله عند أهل التفسير أنّ من حكم بغير ما أنزل الله – وهو على ملة الإسلام – كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية ، إنما هو أنّ أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون ، وهذا كقوله : ( ثلاثة من أمر الجاهلية : الطعن في الأنساب ، والنياحة ، والأنواء ) . حديث صحيح (24) ، وكذلك حديث : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمِن خان ) . (25)
    قال أبو عبيد : " ليس وجوه هذه الآثار أنّ راكبها يكون جاهلاً ، ولا كافراً ، ولا منافقاً ، وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده ، ومؤدٍّ لفرائضه ، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار المحرمة المنهي عنها في الكتاب والسنة ، ليتحاماها المسلمون ، ويتجنبوها ، فلا يتشبّهون بشيء من أخلاقهم ، ولا شرائعهم " .
    وأورد حديث : ( إذا استعطرت المرأة ثم مرَّت بقوم يوجد ريحها أنها زانية ) (26) ، فهل يكون هذا من الزنى الذي تجب فيه الحدود ؟
    ولعل مراد أبي عبيد القاسم بن سلام بقوله : " أنّ الحكم بغير ما أنزل الله ليس كفراً مخرجاً من الملة " هو حكم القاضي أو الحاكم المسلم في قضية ما بالهوى مع حكمه في بقية الأمور بحكم الله .
    أما الحكم بالقوانين الكافرة ، وتطبيقها على الشعوب الإسلامية بقوة الحديد والنّار ، ومحاربة وتعذيب كل من نادى بتطبيق الإسلام ، فهذا ليس من الإسلام في شيء ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) [ النساء : 65 ] .
    المطلب الثالث
    القائلون إن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان
    جنح الخوارج إلى جانب واحد من النصوص ، تلك النصوص التي تبين أنّ مرتكب الكبيرة قد شوّه إيمانه وأنقصه ، ولم يدركوا النصوص الدالة على أن الإيمان لم يزل منه بالكلية ، وفي مقابل هؤلاء فريق (27) آخر زعم أن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان ، وقرروا (( أنه لا يضرّ مع الإيمان ذنب )) وهؤلاء قالوا : الإيمان اعتقاد القلب ، ونطق اللسان ، والأعمال ليست من الإيمان . وقالوا : الإيمان القلبي شيء واحد لا يتفاوت فيه الناس ، واحتجوا بالنصوص التي تدلّ على أنّ الذين ارتكبوا الكبائر مؤمنون يدخلون الجنة .
    ويردّ عليهم أنّه ورد في أكثر من نصّ اعتبار الأعمال من الإيمان كقوله صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ) . (28)
    ويردّ قولهم أيضاً نصوص الوعيد كقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ) . (29)
    وهذان الفريقان لها آثار سيئة ، فالأولون المكفرون ييئسون الناس من رحمة الله ، والآخرون يجرئون النّاس على ارتكاب الذنوب والمعاصي ، وسلف الأمة وسط بين هؤلاء وهؤلاء ، فهم يثبتون لمرتكب الكبيرة إيماناً مقيداً في الدنيا ، وفي الآخرة أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 18, 2017 4:14 pm