منتدى ابو حذيفة السلفي البرلس

منتدى ابو حذيفة السلفي البرلس

منتدى ابوحذيفة السلفي* منتدى اسلامي شعاره الكتاب والسنة بفهم سلف الامة *قال شيخ الإسلام ابن تيميه:لاعيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالإتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا


    العقيد والفلسفة وعلم الكلام

    شاطر
    avatar
    ابوحذيفه
    Admin

    عدد المساهمات : 206
    تاريخ التسجيل : 10/09/2010

    العقيد والفلسفة وعلم الكلام

    مُساهمة  ابوحذيفه في الإثنين سبتمبر 13, 2010 1:08 am

    الفرق بين العقيدة الإسلامية والفلسفة وعلم الكلام
    على الرغم من أنّ الموضوع الذي تعالجه الفلسفة هو الموضوع ذاته الذي يعالجه الدين ، إذ يزعم الفلاسفة أنّ مباحثهم تهدف إلى معرفة أصل الوجود وغايته ، ومعرفة السبيل الذي يحقق السعادة الإنسانية عاجلاً وآجلاً ، وهذان هما موضوع علم الفلسفة بقسميها العلمي والعملي ، وهما كذلك موضوع علم الدين (1) – أقول على الرغم من ذلك إلا أنّ الاختلاف بين الدّين والفلسفة اختلاف كبير . فهما يختلفان في المصادر والمنابع ، وفي المنهج والسبيل ، وفي قوة التأثير والسيطرة ، وفي الأسلوب وطريقة الاستدلال ، وفي آثار كل منهما . وسنحاول أن نبين ذلك كله حتى يزول هذا الخلط بين الدين والفلسفة .
    1- المصادر والمنابع :
    الفلسفة في كل صورها (( عمل إنساني )) يتحكم فيه كل ما في طبيعة الإنسان من قيود وحدود وتدرج بطيء في الوصول إلى المجهول ، وقابلية للتغير والتحول ، وتقلب بين الهدى والضلال ، واقتراب أو ابتعاد عن درجة الكمال .
    ولذا فإن أساطين الفلسفة لم يستطيعوا أن يتخلّصوا من التأثر بالبيئة ، فكانت تصوراتهم ومعتقداتهم فيها صدى كبير لما يحيط بهم . (2)
    ولنأخذ على ذلك مثلاً ( أفلاطون ) فإنّا إذا درسنا نتاجه رأيناه يردد الأساطير التي سادت في عصره ، بل إنّه ينشئ الأسطورة ، ويضمنها أفكاره ومعتقداته ، بل إن كثيراً من معتقداته وآرائه هي أساطير في ذاتها .
    اسمع ما يقوله العقاد في ( أفلاطون ) : " غلبت البيئة الوثنية أفلاطون على تفكيره بحكم العادة وتواتر المحسوسات ، فأدخل في عقيدته أرباباً ، وأنصاف أرباب لا محل لها في ديانات التوحيد " . (3)
    ثم يعرض العقاد نظرية أفلاطون في الوجود تدليلاً على ما يقول : " فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان : طبقة العقل المطلق ، وطبقة المادة الأولية أو (الهيولي) ، والقدرة كلها من العقل المطلق ، والعجز كله من (الهيولي) ، وبين ذلك كائنات على درجات تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل ، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي ، وهذه الكائنات المتوسطة بعضها أرباب ، وبعضها أنصاف أرباب ، وبعضها نفوس بشرية " . (4)
    والسبب الذي من أجله ارتضى أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة كما يقول العقاد " إنه أراد أن يعلل بها ما في العالم من شرّ ونقص وألم ، فإنّ العقل المطلق كمال لا يحدّه الزمان والمكان ، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة ، فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولت الخلق لتوسطها بين الإله القادر (( والهيولي )) العاجز ، فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين " . (5)
    ومن المعروف أيضاً أن أفلاطون يؤمن بعقيدة تناسخ الأرواح .
    هذه هي الفلسفة في مصادرها .
    أما العقيدة الإسلامية فهي وحي من الله ، له كلّ ما للإلهيات من ثبات الحقّ الذي لا تبديل لكلماته ، وصرامة الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ثم هو فوق ذلك (( منحة كريمة )) تصل إلى حامليها وسفرائها عفواً بلا كدح ولا نصب ، وتغمرهم بنورها في فترات خاطفة كلمح البصر أو هو أقرب . (6)
    2- المنهج والسبيل (7) :
    يختلف المنهج الفلسفي عن المنهج الإسلامي في خط سير كلّ منهما بداية ونهاية ، فالفلاسفة كثير منهم يبدؤون بدراسـة النفس الإنسانية ، ويجعلونها الأصل الذي يبنون عليه ، ويفرعون عنه ، فتكلموا في إدراكهم للعلم : وأنه تـارة يكون بالحسّ ، وتارة بالعقل ، وتارة بهما .
    وجعلوا العلوم الحسيّة ، والبدهية ونحوها : هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها ، ثم زعموا أنهم إنما يدركون بذلك الأمور القريبة منهم ، من الأمور الطبعية والحسابية ، والأخلاق ، فجعلوا هذه الثلاثة هي الأصول التي يبنون عليها سائر العلوم ، ولهذا يمثلون ذلك في أصول علم الكلام ، بأن الواحد نصف الاثنين ، وأن الجسم لا يكون بمكانين ، وأن الضدّين – كالسواد والبياض – لا يجتمعان .
    وكثير من هؤلاء لا يجعلون الأخلاق مثل : العدل ، والعفّة من الأصول ، بل من الفروع التي تفتقر إلى الدليل .
    وكثير من المصنفين في الفلسفة يبتدئ بالمنطق ، ثم الطبيعي والرياضي ، ثم ينتقل إلى العلم الإلهي ، وتجد المصنفين في الكلام يبدؤون بمقدماته في الكلام : في النظر والعلم والدليل ، وهو من جنس المنطق ، ثم ينتقلون إلى حدوث العالم وإثبات مُحدثِه ، ومنهم من ينتقل من تقسيم المعلومات إلى الموجود والمعدوم وأقسامه ، كما يفعله الفيلسوف في أول العلم الإلهي .
    وغالبية الفلاسفة يتوسعون في الأمور الطبعية ، ثم يصعدون إلى الأفلاك وأحوالها ، ثم المتألهون منهم يصعدون إلى واجب الوجود ، وإلى العقول والنفوس ، ومنهم من يثبت واجب الوجود ابتداء من جهة أن الوجود لا بدّ فيه من واجب .
    وأما الغاية التي يرمي إليها المتكلمون الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر هي إثبات وحدانية الخالق ، وأنّه لا شريك له ، ويظنون أنّ هذا هو المراد بـ ( لا إله إلا الله ) .
    هذا المنهج الفلسفي الكلامي يشغل الباحث والناظر فيه في قضايا ينقضي العمر ، ولا ينتهي من بعضها ، بل إنّ الذي يحصّله منها ينطوي على شبهـات تجعل اليقين غير موجود ، فيصاب الباحث بالحيرة والشك .
    أما المنهج القرآني ، فإنّه يجعل فاتحة دعوته ودعوة الرسل جميعاً : الدعوة إلى عبادة الله وحده ( وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وكلّ رسول كان يطلب قومه في أول الأمر بأن يعبدوا الله وحده ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) [ المؤمنون : 23 ] يطالبهم بعبادته بالقلب ، وعبادته باللسان ، وعبادته بالجوارح ، وعبادة الله متضمنة لمعرفته وذكره .
    وأصل العلم عندهم هو العلم بالله سبحانه ، لا الحس ولا البدهيات فالله هو الأول الذي خلق الكائنات ، والآخر الذي إليه تصير الحادثات ، فهو الأصل الجامع ، والعلم به أصل كل علم وجامعه ، وذكره أصل كل ذكر وجامعه ، والعمل له أصل كل عمل وجامعه .
    ومن العلم به تتشعب أنواع العلوم ، ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد الصالحة ، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق ، واعتصم بالدليل الهادي ، والبرهان الوثيق ، فلا يزال إما في زيادة في العلم والإيمان ، وإما في السلامة عن الجهل والكفران ، فالعلم بالله أعظم سبيل لمعرفة الله ، ومعرفة الحياة والأشياء ، ومعرفة النفس الإنسانية .
    يقول ابن أبي حاتم : " عرفنا كل شيء بالله " . وسئل ابن عباس : بم عرفت ربك ؟ قال : " من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس ، ظاعناً ( في الاعوجاج ، زائغاً (9) عن المنهج ، أعرفه بما عرّف به نفسه ، وأصفه بما وصف به نفسه " .
    وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم معاذاً حين أرسله إلى اليمن للدعوة إلى الله : أنّه سيقدم على قوم أهل كتاب وأوصاه أن يكون أول ما يدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا ذلك فيدعوهم إلى الفرائض ، ولم يأمره صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم أولاً إلى الشك ، أو النظر ، أو القصد إلى النظر كما هي طريقة بعض المتكلمين .
    ولذا ابتدأ البخاري كتابه بالأصل الذي يقوم عليه العلم والإيمان ألا وهو الوحي ، فعقد كتاباً عنون له بـ ( بدء نزول الوحي ) ، فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً ، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء به ، ثم بكتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به ، فرتبه الترتيب الحقيقي الذي يدل على علمه وحكمته رحمه الله .
    والله عندما يبعث الناس لا يسألهم عن العلوم الحسية والبدهية ، والمنطق والطبعي ، بل يسألهم عن استجابتهم للرسل أو عدمها ( كلما ألقى فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذيراً – قالوا بلى قد جاءنا نذيرٌ فكذبنا وقلنا ما نزَّل الله من شيءٍ إن أنتم إلا في ضلال كبير – وقالوا لو كنَّا نسمع أو نعقل ما كنَّا في أصحاب السعير – فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير ) [ الملك : 8-11 ] ، والحجة لا تقوم على الناس إلا ببعثه الرسل ( وما كنَّا معذبين حتى نبعث رسولاً ) [ الإسراء : 15 ] .
    وكما أن الدعوة إلى الله هي نقطة البداية في المنهاج القرآني ، ومعرفة الله هي الأصل الذي تتفرع منه العلوم ، فإن نقطة النهاية أيضاً عبادة الله المتضمنة معرفته وتوحيده . أما مجرد الإقرار بوحدانية الخالق وإفراد الصانع التي هي نهاية مطلوب علماء الكلام ، فإنها – على الرغم من أهميتها – جزئية في المنهج القرآني لا يكفي مجرد الإقرار بها ، ولذا لم تنفع المشركين الذين حاربهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع إقرارهم بذلك ( ولئِن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنَّ الله ) [ لقمان : 25 ] . ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم – سيقولون الله ) [ المؤمنون : 86-87 ] .
    أما الفلاسفة الذين بحثوا في العقول والنفوس فهم يخبطون في هذا المجال خبطاً لا قرار له ، وحسبك دليلاً على ذلك أن التقدم العلمي الهائل في هذا العصر لم يكشف لنا حقيقة النفس الإنسانية (( ولقد بذل الجنس البشري مجهوداً جباراً لكي يعرف نفسه ، ولكن على الرغم من أننا نملك كنزاً من الملاحظات التي كدسها الفلاسفة والعلماء والشعراء وكبار الروحانيين في جميع الأزمان إلا أننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا ، إننا لا نفهم الإنسان ككل ، ... إننا نعرفه على أنّه مكون من أجزاء مختلفة ، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا ! فكل واحد منا مكوّن من موكب من الأشباح ، تسير في وسطها حقيقة مجهولة .
    وواقع الأمر أنّ جهلنا مطبق ، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب ، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنة ما زالت غير معروفة )) . (10)
    إذا كانت هذه هي المعرفة التي بلغتها الأبحاث في القرن العشرين ، فكيف تجعل النفس الإنسانية هي الأصل الذي يتفرع عنه مختلف العلوم ، أمّا المعرفة بما وراء الطبيعة فإن الفلسفة ضلت فيها ضلالاً أبعد وأبين .
    3- قوة التأثير (11) :
    العقيدة تمتاز بسلطان قوي قاهر على نفوس معتنقيها ، وليس للفلسفة أن تطمح إلى نيل هذه الميزة ، وإلا لجاوزت قدرها ، وتناقضت في نفسها ، والسبب في ذلك أنّ الفلسفة تبحث عن المعرفة والحقيقة بقدر الطاقة البشرية ، ثم تعرض ما تظفر به في جوانب تلك الحقيقة ، والفيلسوف هو أول من يعرف قصور العقل البشري ، وقصور كل ما هو إنساني عن درجة الكمال ، ولذلك كان التسامح والتواضع العلمي من أظهر خصائصه ، فسقراط وهو مَنْ هو بين الفلاسفة يقول : " الشيء الذي لا أزال أعلمه جيداً هو أنني لست أعلم شيئاً " .
    أما صاحب العقيدة فيرى أنّ عقيدته التي يحملها مستمدة من العالم بسر الوجود الذي أحاط بكل شيء علماً ، فهي تمثل الحقيقة بلا غبش .
    فهي بطبيعتها ملزمة ، تتقاضى صاحبهـا الخضوع والتسليم ، ولا تقبل منه في حكمها جدالاً ولا مناقضة ، بل لا تبيح له في نفسها بحثاً ولا ترديداً ، فإن فعل ذلك في مسألة ما ، كان في هذه المسألة بعينها متفلسفاً غير متدين ، حتى يستقرّ فيها على رأي معين يدين به ، فهنالك لا يقبل فيه مساومة ، ولا يستطيع منه تحللاً ، إذ يصبح عقيدة يخلص لها إخلاصاً خارقاً للعادة ، حتى لا يبالي بأن يضحّي في سبيلها بحياته ، ولا نكاد نجد هذا السلطان على النفس لفكرة أخرى : علمية أو سياسية أو غيرها .
    ويبين الشيخ محمد عبد الله دراز السر في هذه الظاهرة فيقول : " السر في هذه الظاهرة – وهي قوة سلطان العقيدة وتميزها بذلك عن الفلسفة – يتمثل في الفارق بين حقيقة المعرفة وحقيقة الإيمان ، وفي الفرق بين القوة النفسية التي تقوم بوظيفة المعرفة ، والقوة النفسية التي تقوم بوظيفة الإيمان . فالواحد من الناس قد يدرك معنى الجوع والعطش وهو غير محس بآلامهما ، وقد يفهم معنى الحبّ والشوق ، وليس من أهلهما ، وقد يرى الأثر الفني البارع فيفهم أسراره ، ويقف على دقائق صنعه ، ولكنه لا يتذوقه ، ولا يتملك قلبه الإعجاب به ....
    هذه ضروب من المعرفة والعلم ، يهديها إلينا الحس ، أو الفكر ، أو البديهة ، فتلاحظها النفس ، وكأنها غريبة عنها ، أو تمرّ بها عابرة ، فتمسها مساً جانبياً لا يبلغ إلى قرارتها ، أو تختزنها وتدخرها ، ولكنها لا تهضمها ولا تتمثلها ، وكل حالة نفسية تقف بالأفكار والمبادئ عند هذه المراحل فليست من الإيمان في قليل ولا كثير .
    الإيمان معرفـة تتجاوب أصداؤها في أعماق الضمير ، وتختلط مادتها بشغاف القلوب ، فلا يجد الصدر منها شيئاً من الضيق والحرج ، بل تحس النفس ببرد اليقين ، الإيمان تذوق ووجدان يحمل الفكرة من سماء العقل إلى قرارة القلب ، فيجعلها للنفس رياً وغذاء يدخل في كيانها ، ويصبح عنصراً من عناصر حياتها ، الإيمان يحول الفكرة قوة دافعة فعّالة خلاقة ، لا يقف في سبيلها شيء في الكون إلا استهانت به .
    هذا هو فصل ما بين الدين والفلسفة ، غاية الفلسفة المعرفة ، وغاية الدّين الإيمان ، مطلب الفلسفة فكرة جافة ترتسم في صورة جامدة ، ومطلب الدين روح وثّابة وقوة محركة .
    ويلاحظ دراز أن الفلسفة تعمل في جانب واحد من جوانب النفس ، بينما الدين يستحوذ على النفس بجملتها ، وأن الفلسفة ملاحظة وتحليل وتركيب ، فهي صناعة تقطع أوصال الحقيقة وتزهق روحها ، ثم تؤلف بينها لتعرضها من جديد في نسق صناعي على مرآة الفطنة ، فتنطبع سطح النفس قشرة يابسة ، أما الدّين فهو حداء ونشيد يحمل الحقيقة جملة ، فيعبر بها القشرة السطحية ، لينفذ منها إلى أعماق القلوب وأغوارها ، فتعطيها النفس كليتها وتملكها زمامها .
    وهنا يستنبط دراز فرقاً دقيقاً بين الفلسفة والدين : فيلاحظ أنّ غاية الفلسفة نظرية حتى في قسمها العملي ، وغاية الدّين عملية ، حتى في جانبه العلمي ، فأقصى مطالب الفلسفة أن تعرفنا الحق والخير ما هما ، وأين هما ؟ ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحقّ الذي تعرفه ، والخير الذي تحدّده ، أما الدّين فيعرفنا الحقّ لا لنعرفه فحسب ، بل لنؤمن به ونحبه ونمجّده ، ويعرفنا الواجب لنؤدّيه ونوفيه ، ونكمل نفوسنا بتحقيقه .
    وكي يزيد الأمر إيضاحاً قارن بين الآثار العملية الدينية والفلسفية ، وبَيّنَ دراز أنّ الدّين يلفت النظر كي يتعرف الإنسان إلى خالقه ، ويتوجه إليه ، ويحبّه ويُقدّسه ، على أنّ غاية الفلسفة مجرد المعرفة التي تربط بين الأسباب والمسببات .
    وبين أنّ العقيدة تتدفق في الميدان الاجتماعي ، فهي تهز صاحبها لتحقيق أهدافها بالنشر والدعوة ، بينما الفلسفة لا يعنيها التوسع والانتشار ، بل قد يضنّ بها أصحابها على غيرهم ، فيحتكرونها ، ويستأثرون بها .
    4- الأسلوب (12) :
    الأسلوب الذي صيغت به العقيدة الإسلامية أسلوب خاص يمتاز بالحيوية والإيقاع ، واللمسة المباشرة والإيحاء ، الإيحاء بالحقائق الكبيرة التي لا تتمثل كلها في العبارة ، ولكن توحي بها العبارة ، كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذ المعرفة فيها ، ولا تخاطب الفكر وحده في الكائن البشري .
    أما الفلسفة فلها أسلوب آخر ، إذ هي تحاول أن تحصر الحقيقة في العبارة ، ولما كان نوع الحقيقة التي يتصدى لها يستحيل أن تنحصر في منطوق العبارة – فضلاً على أنّ جوانب أساسية من هذه الحقائق هي بطبيعتها أكبر من المجال الذي يعمل فيه الفكر البشري – فإنّ الفلسفة تنتهي حتماً إلى التعقيد والتخليط والجفاف ، ومن هنا لا يجوز أن تُعرض العقيدة الإسلامية بأسلوب الفلسفة ، لأنه يقتلها ويطفئ إشعاعها وإيحاءها ، ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية .
    ومن هنا يبدو التعقيد والجفاف والنقص والانحراف في كل المباحث التي تحاول عرض العقيدة بهذا الأسلوب الغريب على طبيعتها ، وفي هذا القالب الذي يضيق عنها ، ومسلك القرآن في بيان العقيدة الإسلامية مُتّسم بالبساطة والوضوح يجعل إدراكها سهلاً ميسراً لكافة مستويات النّاس على اختلاف مداركهم وفِطرهم ، يأخذ كل حسب طاقته من التفكير والاقتناع ، بخلاف تلك الأساليب الفلسفية والكلاميـة المعقدة الممتلئة بالمصطلحات ، إذ لا يدرك محتوياتها إلا القليل من الناس .
    5- طريقة الاستدلال :
    وفي هذا الجانب يتميّز القرآن في ما جـاء به من الأدلة عن الطريقة الفلسفية الكلامية ، ويمكن أن نوضح هذه الفروق في النقاط التالية :
    أ- استدل القرآن بالآيات المشهودة ( الكونية ) على وحدانية الخالق ، وكذلك الفلاسفة والمتكلمون ، ولكنّ طريقة القرآن مخالفة للطريقة الفلسفية الكلامية ، فالقرآن يستدل بالآيات نفسها التي يستلزم العلم بها العلم بصانعها ، كاستلزام العلم بشعاع الشمس العلم بالشمس من غير احتجاج إلى إقامة الأقيسة التي أقامها المتكلمون للاستدلال على حدوث العالم .
    فالعلم بكون هذه العوالم مخلوقة مربوبة أمر فطري لا يحتاج إلى إقامة الدليـل والبرهان ، فالإنسان يعلم بفطرته أنّ هذا الكون الذي يراه فقير إلى الخالق ، مقهور مربوب ، وهذا لا يحتاج إلى تلك الأقيسة التي أقاموها ، كي نعلم حدوث العالم ، وأن له مُحدثاً .
    قال تعالى : ( أو لم ير الذين كفروا أن السَّماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون – وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون – وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آيَاتِهَا معرضون – وهو الذي خلق اللَّيْلَ والنَّهار والشمس والقمر كل في فلكٍ يسبحون ) [ الأنبياء : 30-33 ] .
    ب- الأدلة العقلية (13) التي جاء بها القرآن لائقة بجلال الله وكماله ، فلم يستعمل القرآن قياس الشمول وقياس التمثيل الذي تستوي أفراده في حقّ الله تعالى ، لأنه يلزم منهما تسوية الخالق بالمخلوق .
    وإنما يستعمل في حقه تعالى قياس الأولى الذي مضمونه أنّ كلّ كمال وجودي غير مستلزم للعدم ولا للنقص بوجه من الوجوه اتصف المخلوق به ، فالخالق أوْلى أنْ يتصف به ، لأنّه هو الذي وهب المخلوق ذلك الكمال ، ولأنّه لو لم يتصف بذلك الكمال مع إمكان أن يتصف به ، لكان في الممكنات من هو أكمل منه وهو محال ، قال تعالى : ( ولله المثل الأعلى ) [ النحل : 60 ] .
    وكلّ نقص ينزّه عنه المخلوق ، فالخالق أولى بالتنزه عنه .
    ج- ونلاحظ أيضاً أن الأدلة العقلية القرآنية تدلّ على الحقّ بأبلغ عبارة وأوجزها ، أمّا الأدلة العقلية الكلامية والفلسفية فكثير منها لا ينهض للاستدلال به ، وضعف الدليل الذي يستدّل به على الحقّ يؤدي إلى كثرة الشك والاضطراب والحيرة ، بل قد يؤدي إلى ردّ الحق ، إذ يسهل على الخصم بيان عوار الدليل ، فإذا ردّه ردّ الحقّ مع أنّ الحق قويّ في ذاته ، والضعف إنّما هو في الدليل الموصل إليه ، لأجل ذلك نجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول ، وجزماً بالقول في موضع وبنقيضه في موضع آخر ، بل يكفّرون بقولٍ ما ، وهم ممن قال به في مكان آخر ، بخلاف أدلة الكتاب والسنة فإنّ أصحابها مستقرون عليها ، آخذون بها ، لا يتلجلجون ، ولا يضطربون . (14)
    د- ونلاحظ أنّ بعض أدلة المتكلمين يلزم منها لوازم باطلة ، إذ يلزم من بعضها ردّ الحق الثابت في الكتاب والسنة .
    فقد ردّوا النصـوص التي تدّل على أنّ الله في السماء بدعوى أنّ الله لا يكون في جهة ، لأنّ كونه في جهة يُعدّ تحيّزاً ، مع أنّ النصوص صريحة في كونه تعالى في السماء ، وخطؤهم أنّهم ظنوا أنّ معنى كونه في السماء : أنّ السماء تحويه ، وأخطؤوا أيضاً عندما طبقوا المقاييس البشرية على الذات الإلهية .
    6-الجنى والعطاء :
    ومن الفُروق أيضاً أن القرآن يعطي إيماناً مفصّلاً كما قال جندب بن عبد الله : " تعلمنا الإيمان ، ثم تعلمنا القرآن ، فازددنا إيماناً " .
    فالقرآن يصف لنا ربنا ، وأن له وجهاً ويداً وسمعاً وبصراً ، ويعدّد لنا أسمـاءه وصفاته : فهو الرحمن الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ...... ، ويعرفنا بأفعاله ومخلوقاته ، ويصف لنا القيامة وأهوالها والجنة والنار كأننا نراهما .
    أما طريقة المتكلمين فإنّ غاية ما عندهم إيمان مجمل ، لا يعطي علماً وافياً ، ولا تصوراً واضحاً .
    لا لقاء :
    لا لقاء بين الدّين والفلسفة فهما منهجان مختلفان : في البداية والنهاية ، والطريقة والأسلوب ، وفي التأثير والعطاء ، وقبل ذلك كلّه في المنابع والمصادر .
    والإسلام لا يحتاج إلى من يكمله ، فقد أكمله العليم الخبير ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) [ المائدة : 3 ] ، ولا نحتاج إلى أن نوفّق بينـه وبين الفلسفة ، ولا بينه وبين اليهودية والنصرانية ، ولا بينه وبين الشيوعية والاشتراكية ، فالإسلام حق لا باطل فيه ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) [ فصلت : 42 ] وغيره إمّا باطل ، وإما حق مخلوط بباطل ، والإسلام ما جاء لتحكمه أفكار البشر ، وإنما جاء ليهيمن على الحياة والأحياء ، ويقوّم المعوجّ من العقائد والأفكار .
    يجب علينا أن نبقي عقيدتنا وشريعتنا متميزة صافية نقية كما يريد ربنا ( قد تبين الرشد من الغيّ ) [ البقرة : 256 ] وإن خلطها بغيرها يؤدي إلى اللبس الذي عابه الله على أهل الكتاب ( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ) [ آل عمران : 71 ]

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 18, 2017 4:11 pm