منتدى ابو حذيفة السلفي البرلس

منتدى ابو حذيفة السلفي البرلس

منتدى ابوحذيفة السلفي* منتدى اسلامي شعاره الكتاب والسنة بفهم سلف الامة *قال شيخ الإسلام ابن تيميه:لاعيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالإتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا


    تحذير الأغرار من الإغترار بدنيا الكفار

    شاطر
    avatar
    ابوحذيفه
    Admin

    عدد المساهمات : 206
    تاريخ التسجيل : 10/09/2010

    تحذير الأغرار من الإغترار بدنيا الكفار

    مُساهمة  ابوحذيفه في الإثنين سبتمبر 13, 2010 4:53 am

    إن الإنسان يحب الدنيا ويحرص على المال , (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) آل عمران: ١٤. وسبب ذلك أن الإنسان يشتهي ما يتلذذ به وقد وجد لذته العاجلة في الدنيا وزخارفها , ولذة الدنيا تؤثر في طالبها فيصغر أمامها حتى يكون كالطفل المفتون ببريق النار الذي فيه حتفه وهو لا يعرف منه إلا ضوءه الجذاب و وكذلك الدنيا ؛ لأنها حلوة مزخرفة , فلا يشبع منها طالبها كما لا يشبع من المال الحرام صاحبه , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو , ومن أخذه بغير حقه كان الذي يأكل ولا يشبع " .[ رواه البخاري ومسلم ] . وينظر ضعيف الإيمان ومحب الدنيا إلى ما يتقلب فيه الكفار من نعيم الدنيا

    , فيتمنى مكانتهم وينبهر بطرق معيشتهم ويودّ لو كان معهم , كما أخبر الله عن قوم قارون حين رأوه في أبهى زينة , (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) القصص: ٧٩ هذا تصور من يعيش للدنيا ولا يفكر في زوالها وسرعة انتقالها وقلة وفائها وتحقق مللها , لا سيما إذا امتحن الله العباد بأن أراهم من بلاد الكفار خضرة جذابة , ومياهها عذبة ومناظر خلابة , ومناخا مناسبا لراحة الجسم , أما قوي القلب ذو الإيمان الصادق فإنه لا يلتفت إلى شيء من ذلك ؛ لأنه يقرأ( لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ )آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧, ويغض طرفه عن ذلك كله , لأنه يقرأ قوله (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى )طه: ١٣١, ويعلم علم يقين أنّ ذلك لا يعد في حقيقته لهم خيرا ؛ لأنه يقرأ قوله (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ) المؤمنون: ٥٥ - ٥٦ وكيف يكون ذلك لهم من الخيرات وقد جعل الله فيه عذابهم( فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ )التوبة: ٥٥ ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) محمد: ١٢, (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) آل عمران: ١٧٨, فتبا لزخرف بدؤه عذب وانتهاؤه عذاب , وكذلك كل من يتمتع بالدنيا وهو يعصي ربه الذي يؤتيه من الدنيا , فإن متعة الدنيا التي هو فيها استدراج من الله حتى إذا أخذه أخذا أليما ؛ فعن عقبة ابن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب , فإنما هو استدراج , ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) الأنعام: ٤٤ رواه أحمد ( 145/4 ) بإسناد صححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 413 ) . ولو كان للكفار في دنياهم متعة ما , فإنه ليس لهم سواها ؛ كما قال سبحانه (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) آل عمران: ١٧٦, وروى البخاري ومسلم قصة دخول عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته , فحكى تعجبه من تقشفه صلى الله عليه وسلم وقلة متاعه فيه , ومما جاء في قوله رضي الله عنه :" فدخلت عليه , فإذا هو مضطجع على رمال حصير(1) ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكىء على وسادة من أدم حشوها ليف (2) فسلمت عليه ...فجلست حين رأيته تبسم, ثم رفعت بصري في بيته , فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة (3) , فقلت : ادع الله فليوسع على أمتك ؛ فإن فارس والروم وسّع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله , وكان متكئا , فقال : أو في شك أنت يا بن الخطاب ؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا , فقلت : يا رسول الله استغفر لي " الحديث , وفي لفظ لمسلم أنّ عمر قال :" فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير , فجلست , فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره , وإذا الحصير قد أثّر في جنبه , فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا (4) في ناحية الغرفة , وإذا أفيق معلق , قال : فابتدرت عيناي , قال : ما يبكيك يا بن الخطاب ؟ قلت : يا نبي الله ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبك , وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى , وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار , وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته , وهذه خزانتك ؟ فقال : يا بن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا".

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) : أي نسيجه , يقال : رملت الحصير , إذا نسجته , قال بن حجر في " الفتح " ( 117/5) :" وكأنه لم يكن فوق الحصير فراش ولا غيره , أو كان بحيث لا يمنع تأثير الحصير .

    (2) : الأدم : الجلد , ومعنى الجملة هنا أن وسادته صلى الله عليه وسلم كانت من جلد محشوّ بليف النخل , وهذا نهلية في التقشف والتقلل من الدنيا بأبي هو أمي صلى الله عليه وسلم .

    (3) : قال المباركفوري في " تحفة الأحوذي " ( 161/9 ) :" أهبة ثلاثة : بضم الهمزة والهاء و بفتحهما , جمع إهاب , وهو الجلد , وقيل : إنما يقال للجلد إهاب قبل الدبغ , فأما بعده فلا " , قال ابن حجر في " الفتح ( 288/9 ) :" والذي يظهر أنّ المراد به هنا جلد شرع في دبغه ةلم يكمل ؛ لقوله في رواية سماك بن الوليد : ( فإذا أفيق معلق )) والأفيق بوزن عظيم : الجلد الذي لم يتم دباغه " .
    (4) : هو ورق السَلم يدبغ به , انظر " القاموس المحيط " للفيروزآبادي , والسَلم شجر ذو شوك , له زهرة صفراء وحبة خضراء وريح طيبة , كما في " غريب الحديث " لابن الجوزي ( 234/2 ) .

    ولما كانت الدنيا دنية , فإن الله يعطيها الكافر كما يعطيها المسلم ,( كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء: ٢٠ - ٢١ ،فإعطاء الدنيا لا يعني التكريم , وحجب شيء منها عن العبد لا يعني الإهانة ؛ لأن الله يقول( فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) الفجر: ١٥ - ١٦ ،ولا يجوز للمسلم أن يتصور ذلك ؛ لأنه منطق المترفين من الكفار , قال الله عز وجل :وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ )سبأ: ٣٤ - ٣٧ , قال ابن مسعود رضي الله عنه : إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب , ولا يعطي الإيمان إلا لمن يحب , فإذا أحب الله عبدا أعطاه الإيمان . أخرجه ابن أبي شيبة ( 34545)والبخاري في ( الأدب المفرد ) ( 275 ) , وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ( 209 ) وسبب ذلك أن الدنيا رخيصة , والمؤمن غال , فأثره الله بالغالي (وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )الأعلى: ١٧, ولذلك روى سهل بن سعد قال , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو كانت الدنيا تعدل جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء " أخرجه الترمذي ( 2320 ) , وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 943 ) , فإذل رأى المؤمن الدنيا تفلتت من يديه وقد أعطيها الكافر , فلا يغتم لذلك ؛ لأن الكافر لم يعط ذا قيمة , وما جُنبه المؤمن فهو شر وقاه الله منه وداء حماه منه , فلتقر عينه بما آتاه الله من دين صحيح وكتاب سليم من أهواء البشر وهداه إليه ,( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )يونس: ٥٧ - ٥٨,( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )الزخرف: ٣٢,: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )الشورى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) الحجر: ٨٧ - ٨٨ . (

    وفي هاتين الآيتين الأخيرتين أربع فوائد هي :

    الأولى : أن من آتاه الله القرآن فقد أتاه الخير كله , فعلام الحزن ؟

    الثانية : أن الله ينهى عن مد الأعين إلى متاع الكفار الذي لا يبهر إلا المنهزمين , وهذه هي حكمة اقتران الآية الأولى يالثانية , قال ابن كثير في تفسيره لها : ( أي استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية ) .

    الثالثة : أنه مادام ليس لدى أهل الكفر من الخير الحقيقي ما يستجلب نظر أهل الإيمان إليهم , كان الذين لديهم الإيمان والقرآن هم جديرين بأن تمد الأعين إليهم ؛ يدل على قوله تعالى هنا : ((ﯱ ﯲ ﯳ )) انظر " المواهب الربانية من الآيات القرآنية " للشيخ عبد الرحمن السعدي ( ص 64) الرابعة : أن الله أمر بعدها بخفض الجناح لأهل الإيمان خلافا لمن يخفض جناح الذل من الهزيمة للكفار , ويرفع جناح العز والكبر في وجوه إخوانه المؤمنين وربما كانوا أبرّ الأبرار , فانظر كم في القرآن من هداية وتسديد , وانظر كيف انتظمت هذه الفوائد في سياق واحد , وهذا هو حال الناس مع دنيا الكفار إلا من وفقه الله ولذلك فإنك تجد من لم يملأ القرآن قلبه مبهورا بهدي الكفار, وفي الوقت نفسه تجده مفتونا بالطعن على المسلمين , ولا يكاد يخفض لهم جناحه , وربما فعله بحضرة الكفار تطييبا لخاطرهم وإظهار للموافقة لهم في الفكرة وتظاهرا أمامهم بالتبري من أخلاق قومه حتى ربما تحول الطعن على المسلمين إلى طبع فيه , وأعظم ما يخشى عليه أن يلحقه وعيد الله للمنافقين , الذي( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )النور: ١٩, والله المستعان .

    وقد أخبر الله أنه أعطى الفريقين من الدنيا, ولم يؤثر بها الكفار ؛ لئلا يجمع الجهال على الكفر, وهذا من لطف الله بعباده ؛ لأن الكفار لو استأثروا بالدنيا دون المؤمنين لتبعهم جميع الجهال الذين يعتقدون أن تحصيل الدنيا دليل محبة من الله لأولئك وكرامة منه , فلولا هذا لآثر الله الكفار ببيوت مسقفة من فضة وزخارف من ذهب وبهذا فسر ابن عباس رضي الله عنه قول الله تعالى (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ)الزخرف: ٣٣ - ٣٤ .قال الله تعالى ( وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ)الفرقان: ٢٠, وقد سرد ابن القيم رحمه الله في " إغاثة اللهفان " ( 162 - 160 / 2 ) أصنافا من الناس امتحن الله بعضهم ببعض , فذكر منهم ما نحن بصدده , فقال : امتحن الأغنياء بالفقراء , والفقراء بالأغياء , وامتحن الضعفاء بالأقوياء , والأقوياء بالضعفاء , والسادة بالأتباع , والأتباع بالسادة ... والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم وامتحن المأمورين بهم , ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم ؛ امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل , وقالوا : لو كان خيرا ما سبقونا إليه هؤلاء وقالوا لنوح عليه السلام : (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) الشعراء: ١١١( وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ )الأنعام: ٥٣،, فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمي وأنف أن يسلم فيكون مثله , وقال : أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء ؟ ويلاحظ هنا كثرة النصوص المحذرة من الإنخداع بدنيا الكفار ؛ ولعل السبب في ذلك أن الإفتتان بها كبير وأثرها على القلب وخيم , ولذلك جعلها الله محل امتحان ,

    قال الزّجّاج : وكان الرجل الشريف ربما أراد أن الإسلام فيمتنع منه لئلا يقال : أسلم قبله من هو دونه, فيقيم عل كفره لئلا يكون للمسلم السابقة عليه في الفضل , ومن كون بعض الناس لبعض فتنة أن الفقير يقول : لم لم أكن مثل الغني ؟ ويقول الضعيف : هلا كنت مثل القوي ؟ ويقول المبتلى : هلا كنت مثل المعافى ؟ وقال : الكفار : (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ )الأنعام: ١٢٤ ،

    قال مقاتل : نزلت في افتتان المشركين بفقراء المهاجرين , نحو بلال وخبّاب وصهيب وأبي ذر وابن مسعود وعمّار , كان كفار قريش يقولون : انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا من موالينا وأراذلنا , (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ )المؤمنون: ١٠٩ - ١١١ , فأخبر سبحانه أنه جزاهم على صبرهم , كما قال الله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا )الفرقان: ٢٠،

    قال الزّجّاج: أي أتصبرون على البلاء ؟ فقد عرفتم ما وجد الصابرون . ولذلك لما تخلف كعب بن مالك رضي الله عنه عن الجهاد بلا عذر شرعي . أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهجره تأديبا له , فهجره أهل المدينة كلهم حتى أُمر باعتزال امرأته , فسمع به ملك غسّان النصراني بالشام فأراد أن يفتنه عن دينه , واهتبلها فرصة للتفريق بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين , وطلب منه أن يهاجر إليه ؛ ما دام صاحبه - يعني الرسول صلى الله عليه وسلم - قد تركه , ودعاه ليكرمه ويصبح واحدا من خاصّته , وزعم له أن حقه لن يضيع عنده , لكن كعبا كان إيمانه أعلى من أن تغره ديار الكفر بزخرفها ، فقد روى البخاري ومسلم أنه قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة , إذا نبطي (1) من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة , يقول من يدل على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي , حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسّان , فإذا فيه: ( أما بعد , فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك , ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة , فالحق بنا نواسك ) , فقلت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء , فتيممت بها التنور , فسجرته بها ... ) , يعني أن كعبا توجه مباشرة لإحرق تلك الرسالة, حتى يقطع الطريق على الشيطان.

    وأقول أخيرا : الغالب أن هذا الإنحراف يقع في قلوب المسلمين عند احتكاكهم بالكفار ؛ لأن الله قد أخبر في كتابه أن الكفار هم الذين يوسوسون لهم بذلك . (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا )مريم: ٧٣ - ٧٤ ،قال ابن عباس رضي الله عنه : المقام : المنزل , والندي : المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها . وقال مالك في قوله : (( أثاثا ورءيا )) : أكثر أموالا وأحسن صورا. كذا في تفسير ابن كثير رحمه الله , فبان بهذا أن الكفار مفتونون بوفرة أموالهم وحسن قدهم , وقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم , ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " , ولهذا كان التشبه بهم في خاصة غير محصّل كرامة عند الله , بل ينتج عنه مالا يحمد في دنيا العبد ولا أخراه

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 18, 2017 4:14 pm